ابن قيم الجوزية

302

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تخصيص فيه . ومنه قوله تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال : 23 ] أي لو علم اللّه في هؤلاء الكفار قبولا وانقيادا لأفهمهم ، وإلا فهم قد سمعوا سمع الإدراك وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال : 23 ] أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموا . لأن في قلوبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه . وأما سماع القبول والإجابة : ففي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين : أنهم قالوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ البقرة : 285 والمائدة : 7 والنّور : 51 ] فإن هذا سمع قبول وإجابة مثمر للطاعة . والتحقيق : أنه متضمن للأنواع الثلاثة . وأنهم أخبروا بأنهم أدركوا المسموع وفهموه . واستجابوا له . ومن سمع القبول : قوله تعالى وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [ التّوبة : 47 ] أي قابلون منهم مستجيبون لهم . هذا أصح القولين في الآية . وأما قول من قال : عيون لهم وجواسيس فضعيف ، فإنه سبحانه أخبر عن حكمته في تثبيطهم عن الخروج ، بأن خروجهم يوجب الخبال والفساد ، والسعي بين العسكر بالفتنة . وفي العسكر من يقبل منهم ، ويستجيب لهم ، فكان في إقعادهم عنهم لطفا بهم ورحمة ، حتى لا يقعوا في عنت القبول منهم . أما اشتمال العسكر على جواسيس وعيون لهم : فلا تعلق له بحكمة التثبيط والإقعاد . ومعلوم أن جواسيسهم وعيونهم منهم . وهو سبحانه قد أخبر أنه أقعدهم لئلا يسعوا بالفساد في العسكر ، ولئلا يبغوهم الفتنة . وهذه الفتنة إنما تندفع بإقعادهم ، وإقعاد جواسيسهم وعيونهم . وأيضا فإن الجواسيس إنما تسمى « عيونا » هذا المعروف في الاستعمال لا تسمى سماعين . وأيضا فإن هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم اليهود : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [ المائدة : 42 ] أي قابلون له . والمقصود : أن سماع خاصة الخاصة المقربين : هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة : إدراكا وفهما ، وتدبرا ، وإجابة . وكل سماع في القرآن مدح اللّه أصحابه وأثنى عليهم ، وأمر به أولياءه : فهو هذا السماع . وهو سماع الآيات ، لا سماع الأبيات . وسماع القرآن ، لا سماع مزامير الشيطان . وسماع كلام رب الأرض والسماء ، لا سماع قصائد الشعراء . وسماع المراشد ، لا سماع القصائد . وسماع الأنبياء والمرسلين ، لا سماع المغنين والمطربين . فهذا السماع حاد يحدو القلوب ، إلى جوار علام الغيوب ، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح . ومحرك يثير ساكن العزمات ، إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات . ومناد ينادي للإيمان . ودليل يسير بالركب في طريق الجنان . وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح . من قبل فالق الإصباح « حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح » . فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادا لحجة ، وتبصرة لعبرة ، وتذكرة لمعرفة ، وفكرة في آية ، ودلالة على رشد ، وردا على ضلالة ، وإرشادا من غيّ ، وبصيرة من عمى ، وأمرا بمصلحة ، ونهيا عن مضرة ومفسدة . وهداية إلى نور ، وإخراجا من ظلمة ، وزجرا عن هوى . وحثّا على