ابن قيم الجوزية

303

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تقى . وجلاء لبصيرة ، وحياة لقلب ، وغذاء ودواء وشفاء . وعصمة ونجاة ، وكشف شبهة ، وإيضاح برهان ، وتحقيق حق ، وإبطال باطل . ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد . ونناشدهم بالذي أنزل القرآن هدى وشفاء ونورا وحياة : هل وجدوا ذلك - أو شيئا منه - في الدف والمزمار ؟ ونغمة الشادن ومطربات الألحان ؟ والغناء المشتمل على تهييج الحب المطلق الذي يشترك فيه محب الرحمن ، ومحب الأوطان ، ومحب الإخوان ، ومحب العلم والعرفان ، ومحب الأموال والأثمان ، ومحب النسوان والمردان ، ومحب الصلبان . فهو يثير من قلب كل مشتاق ومحب لشيء ساكنه . ويزعج قاطنه . فيثور وجده ، ويبدو شوقه . فيتحرك على حسب ما في قلبه من الحب والشوق والوجد بذلك المحبوب كائنا ما كان . ولهذا تجد لهؤلاء كلهم ذوقا في السماع ، وحالا ووجدا وبكاء . ويا للّه العجب ! أي إيمان ونور وبصيرة وهدى ومعرفة تحصل باستماع أبيات بألحان وتوقيعات . لعلّ أكثرها قيلت فيما هو محرم يبغضه اللّه ورسوله ، ويعاقب عليه : من غزل وتشبيب بمن لا يحل له من ذكر أو أنثى ؟ فإن غالب التغزل والتشبيب : إنما هو في الصور المحرمة . ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه في امرأته ، وأمته وأم ولده ، مع أن هذا واقع لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود . فكيف يقع لمن له أدنى بصيرة وحياة قلب : أن يتقرب إلى اللّه ، ويزداد إيمانا وقربا منه وكرامة عليه ، بالتذاذه بما هو بغيض إليه ، مقيت عنده ، يمقت قائله والراضي به ؟ وتترقى به الحال حتى يزعم أن ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النافع . وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ! . يا للّه ! إن هذا القلب مخسوف به ، ممكور به منكوس . لم يصلح لحقائق القرآن وأذواق معانيه ، ومطالعة أسراره . فبلاه بقرآن الشيطان ، كما في « معجم » الطبراني وغيره - مرفوعا وموقوفا - « إن الشيطان قال : يا رب ، اجعل لي قرآنا . قال : قرآنك الشعر . قال : اجعل لي كتابا . قال : كتابك الوشم . قال : اجعل لي مؤذنا . قال : مؤذنك المزمار . قال : اجعل لي بيتا . قال : بيتك الحمام . قال : اجعل لي مصائد . قال : مصائدك النساء . قال : اجعل لي طعاما . قال : طعامك ما لم يذكر عليه اسمي » واللّه سبحانه وتعالى أعلم . القسم الثاني من السماع ما يبغضه اللّه ويكرهه ، ويمدح المعرض عنه ، وهو سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه ، كسماع الباطل كله ، إلا إذا تضمن رده وإبطاله والاعتبار به وقصد أن يعلم به حسن ضده . فإن الضد يظهر حسنه الضد . كما قيل : وإذا سمعت إلى حديثك زادني * حبّا له : سمعي حديث سواكا وكسماع اللغو الذي مدح التاركين لسماعه ، والمعرضين عنه بقوله : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ القصص : 55 ] وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] قال محمد ابن الحنفية : هو الغناء . وقال الحسن أو غيره : أكرموا نفوسهم عن سماعه . قال ابن مسعود : « الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل » وهذا كلام عارف