ابن قيم الجوزية

301

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومنهم : من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله . فهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته . ومنهم : من يسمع باللّه ، لا يسمع بغيره . كما في الحديث الإلهي الصحيح « فبي يسمع . وبي يبصر » وهذا أعلى سماعا ، وأصح من كل أحد . والكلام في « السماع » - مدحا وذما - يحتاج فيه إلى معرفة صورة المسموع ، وحقيقته وسببه ، والباعث عليه ، وثمرته وغايته . فبهذه الفصول الثلاثة يتحرر أمر « السماع » ويتميز النافع منه والضار . والحق والباطل . والممدوح والمذموم . فأما « المسموع » فعلى ثلاثة أضرب : أحدها : مسموع يحبه اللّه ويرضاه . وأمر به عباده . وأثنى على أهله . ورضي عنهم به . الثاني : مسموع يبغضه ويكرهه . ونهى عنه . ومدح المعرضين عنه . الثالث : مسموع مباح مأذون فيه . لا يحبه ولا يبغضه . ولا مدح صاحبه ولا ذمه . فحكمه حكم سائر المباحات : من المناظر ، والمشام ، والمطعومات ، والملبوسات المباحة . فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على اللّه ما لا يعلم . وحرم ما أحل اللّه . ومن جعله دينا وقربة يتقرب به إلى اللّه ، فقد كذب على اللّه ، وشرع دينا لم يأذن به اللّه . وضاهأ بذلك المشركين . فأما النوع الأول : فهو السماع الذي مدحه اللّه في كتابه . وأمر به وأثنى على أصحابه ، وذم المعرضين عنه ولعنهم . وجعلهم أضل من الأنعام سبيلا . وهم القائلون في النار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 1 » [ الملك : 10 ] وهو سماع آياته المتلوّة التي أنزلها على رسوله . فهذا السماع أساس الإيمان الذي يقوم عليه بناؤه . وهو على ثلاثة أنواع : سماع إدراك بحاسة الأذن . وسماع فهم وعقل . وسماع فهم وإجابة وقبول . والثلاثة في القرآن . فأما سماع الإدراك : ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [ الجنّ : 1 ، 2 ] وقوله يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [ الأحقاف : 30 ] - الآية فهذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة . وأما سماع الفهم : فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة . بقوله تعالى فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [ الرّوم : 52 ] وقوله إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] . فالتخصيص ههنا لإسماع الفهم والعقل . وإلا فالسمع العام الذي قامت به الحجة : لا

--> ( 1 ) إذ إنهم كانوا يسمعون ويعقلون بسمع وعقل الآباء والشيوخ والسادة . وذلك كما في قوله : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ وكقوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها [ الأعراف : 179 ] فإنهم زعموا أنهم ما أعطوا إلا عقل البهائم المعيشي . فأما سمع وبصر وعقل الإنسانية المفكرة المميزة التي خلقت وميزت بالتدبر والتفكر ، لتفهم عن ربها ، تعرف الدين الحق ، وتقدر نعمه وتشكره . فتؤمن بهداه في الفطرة ، وبهداه في الوحي والرسالات - فهم عن ذلك عمون مثلهم : كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ .