ابن قيم الجوزية
300
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الفردوس . فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة . وفوقه عرش الرحمن . ومنه تفجر أنهار الجنة » . ومعلوم أن هذا مسكن خاصة الخاصة ، وسادات العارفين . فسؤالهم إياه ليس علة في عبوديتهم ، ولا قدحا فيها . وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في كتاب « سفر الهجرتين » عند الكلام على علل المقامات . ويحتمل أن يريد الشيخ بقطع المعاوضات : أن تشهد أن اللّه ما أعطاك شيئا معاوضة ، بل إنما أعطاك تفضلا وإحسانا . لا لعوض يرجوه منك . كما يكون عطاء العبد للعبد ، وإنما نتكلم فيما من العبد ، مما يؤمر بالتجرد عنه ، كتجرده عن التفرقة والمعاوضة . فهذا أليق المعنيين بكلامه . واللّه أعلم . منزلة السماع ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « السماع » . وهو اسم مصدر كالنبات . وقد أمر اللّه به في كتابه . وأثنى على أهله . وأخبر أن البشرى لهم ، فقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا [ المائدة : 108 ] وقال وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [ التّغابن : 16 ] وقال وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ [ النّساء : 46 ] وقال : فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) [ الزّمر : 17 ، 18 ] وقال وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [ الأعراف : 204 ] وقال وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 83 ] . وجعل الإسماع منه والسماع منهم دليلا على علم الخير فيهم ، وعدم ذلك دليلا على عدم الخير فيهم . فقال : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال : 23 ] . وأخبر عن أعدائه : أنهم هجروا السماع ونهوا عنه . فقال : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصّلت : 26 ] . فالسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه . وكم في القرآن من قوله أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) [ السّجدة : 26 ] ؟ - الآية وقال أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها [ الحج : 46 ] . فالسماع أصل العقل ، وأساس الإيمان الذي انبنى عليه . وهو رائده وجليسه ووزيره . ولكن الشأن كل الشأن في المسموع . وفيه وقع خبط الناس واختلافهم . وغلط منهم من غلط . وحقيقة « السماع » تنبيه القلب على معاني المسموع . وتحريكه عنها : طلبا وهربا وحبا وبغضا . فهو حاد يحدو بكل أحد إلى وطنه ومألفه . وأصحاب السماع ، منهم : من يسمع بطبعه ونفسه وهواه . فهذا حظه من مسموعه : ما وافق طبعه .