ابن قيم الجوزية

299

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما هذا السلب : ففي الشعور به للصعود منه إلى الجمع الذاتي ، مع الإيمان به ، والاعتراف بثبوته . فهذا لون وذاك لون . والكمال شهود الأمر على ما هو عليه ، ويشهد الذات موصوفة بصفات الجلال ، منعوتة بنعوت الكمال . وكلما كثر شهوده لمعاني الأسماء والصفات كان أكمل . نعم قد يعذر في الفناء في الذات المجردة ، لقوة الوارد ، وضعف المحل عن شهود معاني الأسماء والصفات « 1 » . فتأمل هذا الموضع ، وأعطه حقه ، ولا يصدّنك عن تحقيق ذلك ما يحيل عليه أرباب الفناء من الكشف والذوق . فإنا لا ننكره ، بل نقرّ به ، ولكن الشأن في مرتبته . وباللّه التوفيق . وأما رفض المعارضات : فيحتمل أمرين : أحدهما : ما يعارض شهوده الجمعي من التفرقات . وهو مراده . والثاني : ما يعارض إرادته من الإرادات ، وما يعارض مراد اللّه من المرادات . وهذا أكمل من الأول ، وأعلى منه . وأما قطع المعاوضات : فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة ، بل يجردها لذاته ، وأنه أهل أن يعبد ولو لم يحصل لعابده عوض منه . فإنه يستحق أن يعبد لذاته لا لعلة ، ولا لعوض ولا لمطلوب « 2 » . وهذا أيضا موضع لا بد من تجريده . فيقال : ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل . وإنما الشأن في ملاحظة الأعواض وتباينها . فالمحب الصادق الذي قد تجرد عن ملاحظة عوض قد لاحظ أعظم الأعواض ، وشمر إليها . وهي قربه من اللّه ووصوله إليه ، واشتغاله به عما سواه . والتنعم بحبه ولذة الشوق إلى لقائه . فهذه أعواض لا بد للخاصة منها . وهي من أجل مقاصدهم وأغراضهم . ولا تقدح في مقاماتهم ، وتجريد عبودياتهم . بل أكملهم عبودية أشدهم التفاتا إلى هذه الأعواض . نعم طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة - من الجاه ، والمال ، والرياسة ، والملك - أو طلب الحور العين والقصور والولدان ، ونحو ذلك بالنسبة إلى تلك الأعواض التي تطلبها الخاصة معلولة . وهذا لا شك فيه إذا تجرد طلبهم لها . أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي : هو قربه والوصول إليه ، والتنعم بحبه ، والشوق إلى لقائه ، وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل : فلا علة في هذه العبودية بوجه ما ، ولا نقص . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حولها ندندن » « 3 » يعني الجنة . وقال : « إذا سألتم اللّه فاسألوه

--> ( 1 ) إما أن يكون قد سقط عنه التكليف لأنه فقد عقله ، أو أن يكون أعمى أصم أبكم . ( 2 ) من تأمل هذا وأطال الوقوف عنده - على طريقة القوم - ظهر له أن مرادهم : أن ربهم ومعبودهم هو الذي يطلب العبادة لنفسه ، وأن العبد قد يستغني عنه وعن العوض والأجر منه . فلذلك يزعمون أنهم إنما يتعلقون به تعلق العاشق بالمعشوق . وهذا هو الكفر الشنيع والاستكبار الوقح . وأما المؤمنون : فيعبدون اللّه ربهم ورب العالمين . لأنهم موقنون أنهم لا يحيون الحياة الآمنة الطيبة في الأولى ولا في الأخرى إلا بأن يكونا عابدين لربهم أخلص العبادة ، في كل حال ، وبكل الأعمال . فبهذا يهتدون . ( 3 ) وهل هناك أخص وأعبد وأتقى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي كان يدندن حول الجنة ؟ .