ابن قيم الجوزية

298

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

رياضة خاصة الخاصة قال : « ورياضة خاصة الخاصة : تجريد الشهود . والصعود إلى الجمع . ورفض المعارضات . وقطع المعاوضات » . أما تجريد الشهود ، فنوعان . أحدهما : تجريده عن الالتفات إلى غيره . والثاني : تجريده عن رؤيته وشهوده . وأما الصعود إلى الجمع : فيعني به الصعود عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي . وهذا يحتمل أمرين : أحدهما : أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها . والثاني : أن يصعد عن علائق الأسماء والصفات إلى الذات . فإن شهود الذات بدون علائق الأسماء والصفات عندهم هم حضرة الجمع . وهذا موضع مزلة أقدام ، ومضلة أفهام . لا بد من تحقيقه . فنقول : التفرقة تفرقتان : تفرقة في المفعولات ، وتفرقة في معاني الأسماء والصفات . والجمع جمعان : جمع في الحكم الكوني ، وجمع ذاتي . فالجمع في الحكم الكوني : اجتماع المفعولات كلها في القضاء والقدر والحكم . والجمع الذاتي : اجتماع الأسماء والصفات في الذات . فالذات واحدة جامعة للأسماء والصفات . والقدر : جامع لجميع المقتضيات والمقدورات ، والشهود مترتب على هذا وهذا . فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره - وإن كان حقا - فهو لا يعطي إيمانا ، فضلا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان . والفناء في هذا الشهود : غايته فناء في توحيد الربوبية الذي لا ينفع وحده ، ولا بد منه . وشهود اجتماع الأسماء والصفات ، في وحدة الذات : شهود صحيح . وهو شهود مطابق للحق في نفسه . وأما الصعود عن شهود تفرقة الأسماء والصفات وعلائقها إلى وحدة الذات المجردة : فغايته أن يكون صاحبه معذورا لضيق قلبه . وأما أن يكون محمودا في شهوده ذاتا مجردة عن كل اسم وصفة وعن علائقها فكلّا ولمّا « 1 » . وأي إيمان يعطي ذلك ؟ وأي معرفة ؟ وإنما هو سلب ونفي في الشهود ، كالسلب والنفي في العلم والاعتقاد . فنسبته إلى الشهود كنسبة نفي الجهمية وسلبهم إلى الأخبار . ولكن الفرق بينهما : أن ذلك السلب في العلم والاعتقاد ، مخالف للحق الثابت في نفس الأمر ، وكذب على اللّه . ونفي لما يستحقه من صفات كماله ونعوت جلاله ، ومعاني أسمائه الحسنى .

--> ( 1 ) وهذا هو شهود الصوفية في أول خطوة من خطوات الطريق إلى وحدة الوجود . فإن الحقيقة الإلهية عندهم في مرتبتها الأولى لا تسمى باسم ، ولا توصف مطلقا بصفة ، وهذا هو التجريد عندهم . وتأمله مع كلام صاحب المنازل .