ابن قيم الجوزية
288
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا . يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعا ، وأن تناصحوا من ولّاه اللّه أمركم . ويسخط لكم : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال » ، رواه مسلم في « الصحيح » . * * * قال صاحب المنازل : « الاعتصام بحبل اللّه : هو المحافظة على طاعته ، مراقبا لأمره » . ويريد بمراقبة الأمر : القيام بالطاعة لأجل أن اللّه أمر بها وأحبها . لا لمجرد العادة ، أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر . كما قال طلق بن حبيب في التقوى : « هي العمل بطاعة اللّه على نور من اللّه ، ترجو ثواب اللّه ، وترك معصية اللّه على نور من اللّه ، تخاف عقاب اللّه » . وهذا هو الإيمان والاحتساب ، المشار إليه في كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم كقوله : « من صام رمضان إيمانا واحتسابا . ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا - غفر له » فالصيام والقيام : هو الطاعة و « الإيمان » مراقبة الأمر . وإخلاص الباعث : هو أن يكون الإيمان الآمر ، لا شيء سواه . و « الاحتساب » رجاء ثواب اللّه . فالاعتصام بحبل اللّه يحمي من البدعة وآفات العمل . واللّه أعلم . وأما الاعتصام به : فهو التوكل عليه . والامتناع به ، والاحتماء به ، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ، ويعصمه ويدفع عنه ، فإن ثمرة الاعتصام به : هو الدفع عن العبد . واللّه يدافع عن الذين آمنوا ، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ، ويحميه منه . فيدفع عنه الشبهات والشهوات ، وكيد عدوه الظاهر والباطن ، وشرّ نفسه . ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها ، بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه . فتفقد في حقه أسباب العطب . فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها . ويدفع عنه قدره بقدره ، وإرادته بإرادته ، ويعيذه به منه . وأما صاحب المنازل فقال : « الاعتصام باللّه : الترقي عن كل موهوم » . « الموهوم » عنده ما سوى اللّه تعالى . و « الترقي عنه » الصعود من شهود نفعه وضره ، وعطائه ومنعه وتأثيره . إلى اللّه تعالى . وهذه إشارة إلى الفناء . ومراده : الصعود عن شهود ما سوى اللّه إلى اللّه . والكمال في ذلك : الصعود عن إرادة ما سوى اللّه إلى إرادته . والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده ، بحيث لا يرى لغيره وجودا البتة ، ويرى وجود كل موجود هو وجوده ، فلا وجود لغيره إلا في الوهم الكاذب عنده . قال « وهو على ثلاث درجات : اعتصام العامة بالخبر ، استسلاما وإذعانا . بتصديق الوعد والوعيد ، وتعظيم الأمر والنهي . وتأسيس المعاملة على اليقين والإنصاف » . يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن اللّه ، استسلاما من غير منازعة ، بل إيمانا واستسلاما . وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما ، والتصديق بالوعد والوعيد . وأسسوا معاملتهم على اليقين . لا على الشك والتردد . وسلوك طريقة الاحتياط ، كما قال القائل :