ابن قيم الجوزية
289
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
زعم المنجم والطبيب كلاهما * لا تبعث الأجساد . قلت : إليكما إن صح قولكما . فلست بخاسر * أو صح قولي . فالخسار عليكما هذه طريق أهل الريب والشك . يقومون بالأمر والنهي احتياطا . وهذه الطريق لا تنجي من عذاب اللّه . ولا تحصل لصاحبها السعادة . ولا توصله إلى المأمن . وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه : فهو الإنصاف في معاملتهم للّه ولخلقه . فأما الإنصاف في معاملة اللّه : فأن يعطي العبودية حقها ، وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له : من العظمة ، والكبرياء ، والجبروت . ومن إنصافه لربه : أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ، ولا يستعين بها على معاصيه ، ولا يحمد على رزقه غيره ، ولا يعبد سواه ، كما في الأثر الإلهي « إني والجن والإنس في نبإ عظيم : أخلق ويعبد غيري . وأرزق ويشكر سواي » وفي أثر آخر « ابن آدم : ما أنصفتني . خيري إليك نازل ، وشرك إليّ صاعد . أتحبب إليك بالنعم ، وأنا عنك غني . وتتبغض إليّ بالمعاصي وأنت فقير إليّ . ولا يزال الملك الكريم ، يعرج إليّ منك بعمل قبيح » وفي أثر آخر « يا ابن آدم . ما من يوم جديد ، إلا يأتيك من عندي رزق جديد ، وتأتي عنك الملائكة بعمل قبيح . تأكل رزقي وتعصيني . وتدعوني فأستجيب لك . وتسألني فأعطيك . وأنا أدعوك إلى جنتي فتأبى ذلك . وما هذا من الإنصاف » . وأما الإنصاف في حق العبيد : فأن يعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه به . ولعمر اللّه هذا الذي ذكر أنه اعتصام العامة : هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة . ولكن الشيخ ممن رفع له علم الفناء فشمر إليه . فلا تأخذه فيه لومة لائم . ولا يرى مقاما أجلّ منه . اعتصام الخاصة قال : « واعتصام الخاصة : بالانقطاع . وهو صون الإرادة قبضا ، وإسبال الخلق عن الخلق بسطا ، ورفض العلائق عزما ، وهو التمسك بالعروة الوثقى » . يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة . فيصون إرادته ، ويقبضها عما سوى اللّه سبحانه . وهذا شبيه بحال أبي يزيد فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له : ما تريد ؟ فقال : أريد أن لا أريد . الثاني : إسبال الخلق على الخلق بسطا . وهذا حقيقة التصوف « 1 » . فإنه كما قال أبو بكر الكتاني : التصوف خلق . فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف .
--> ( 1 ) هذه كلمة أعجمية ، وليست بعربية ولا إسلامية . فهي أولا - هندية - ثم يونانية . ومعناها : السعي إلى الحقيقة الأولى ، أو الحقيقة الإلهية . وهي الأساس الذي قامت عليه عقيدة وحدة الوجود . ومن حاول الدفاع عن الصوفية أو تقسيمها إلى قديمة وحديثة . فإنما ذلك عن دراسة سطحية ، وإلا فهي والفلسفة صنوان ، أو شيء واحد . والصوفية متباعدة الجذور في القدم آلاف السنن إلى ما قبل نوح عليه السلام . وصورتها واضحة ، وروائحها فائحة من سورة نوح وغيرها من آي القرآن ومما ذكر اللّه ربنا فيها من آلهة الصوفية ود ، وسواع ، ويغوث ويعوق ، ونسر ، وقد أضلوا كثيرا . واللّه الهادي سواء السبيل .