ابن قيم الجوزية
287
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وكما أن كثرة النوم موروثة لهذه الآفات ، فمدافعته وهجره ، مورث لآفات أخرى عظام : من سوء المزاج ويبسه ، وانحراف النفس ، وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل . ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها . وما قام الوجود إلا بالعدل ، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير . وباللّه المستعان . منزلة الاعتصام باللّه ثم ينزل القلب منزلة الاعتصام . وهو نوعان : اعتصام باللّه ، واعتصام بحبل اللّه . قال اللّه تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] وقال وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الحجّ : 78 ] . و « الاعتصام » افتعال من العصمة . وهو التمسك بما يعصمك ، ويمنعك من المحذور والمخوف . فالعصمة : الحمية . والاعتصام : الاحتماء . ومنه سميت القلاع : العواصم ، لمنعها وحمايتها . ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام باللّه ، والاعتصام بحبله . ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين . فأما الاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الضلالة . والاعتصام به : يعصم من الهلكة . فإن السائر إلى اللّه كالسائر على طريق نحو مقصده . فهو محتاج إلى هداية الطريق ، والسلامة فيها . فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له . فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة ، وأن يهديه إلى الطريق ، والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها . فالاعتصام بحبل اللّه : يوجب له الهداية واتباع الدليل . والاعتصام باللّه ، يوجب له القوة والعدة والسلاح ، والمادة التي يستلئم بها في طريقه . ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل اللّه ، بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى . فقال ابن عباس : تمسكوا بدين اللّه . وقال ابن مسعود : هو الجماعة . وقال : « عليكم بالجماعة ، فإنها حبل اللّه الذي أمر به ، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة » . وقال مجاهد وعطاء : « بعهد اللّه » وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير : « هو القرآن » . قال ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا القرآن هو حبل اللّه ، وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، وعصمة من تمسّك به ، ونجاة من تبعه » وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في القرآن : « هو حبل اللّه المتين . وهو الذكر الحكيم . وهو الصراط المستقيم . وهو الذي لا تزيغ به الأهواء . ولا تختلف به الألسن . ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا يشبع منه العلماء » . وقال مقاتل : بأمر اللّه وطاعته ، ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى . وفي « الموطأ » من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه