ابن قيم الجوزية

282

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه . وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشيطان ، والطريق الموصلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه . فهذه ستة أمور ضروري للعبد معرفتها . ومشاهدتها ومطالعتها . فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها ، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها . وتميّز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم . فتريه الحق حقا ، والباطل باطلا . وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال . والغي والرشاد . وتعطيه قوة في قلبه ، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا . فيصير في شأن والناس في شأن آخر . فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه ، والعلم باللّه وما له من أوصاف الكمال ، وما ينزه عنه من سمات النقص ، وعلى الإيمان بالرسل ، وذكر براهين صدقهم ، وأدلة صحة نبوتهم . والتعريف بحقوقهم وحقوق مرسلهم . وعلى الإيمان بملائكته ، وهم رسله في خلقه وأمره ، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته ، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي ، وما يختص بالنوع الإنساني منهم ، من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه . وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعدّ اللّه فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق ، التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد وتنغيص . وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل ، التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح . وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه . وعلى تفاصيل الأمر والنهي ، والشرع والقدر ، والحلال والحرام ، والمواعظ والعبر ، والقصص والأمثال ، والأسباب والحكم ، والمبادئ والغايات ، في خلقه وأمره . فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل ، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل ، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل . وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل . وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل . وتبصره بحدود الحلال والحرام . وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل . وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل . وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل . وتناديه كلما فترت عزماته ، وونى في سيره : تقدم الركب وفاتك الدليل . فاللحاق اللحاق ، والرحيل الرحيل . وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل . وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو ، أو قاطع من قطاع الطريق نادته : الحذر الحذر ! فاعتصم باللّه ، واستعن به ، وقل : حسبي اللّه ونعم الوكيل . وفي تأمل القرآن وتدبره ، وتفهمه ، أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد . وبالجملة : فهو أعظم الكنوز ، طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار معانيه : نزه فؤادك عن سوى روضاته * فرياضه حلّ لكل منزّه والفهم طلّسم لكنز علومه * فاقصد إلى الطلسم تحظ بكنزه لا تخش من بدع لهم وحوادث * ما دمت في كنف الكتاب وحرزه من كان حارسه الكتاب ودرعه * لم يخش من طعن العدو ووخزه