ابن قيم الجوزية

283

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا * ما قابلتك بنصره وبعزه واللّه ما هاب امرؤ شبهاتهم * إلا لضعف القلب منه وعجزه يا ويح تيس ظالع يبغي مسا * بقة الهزبر بعدوه وبجمزه ودخان ، زبل يرتقي للشمس يس * تر عينها لما سرى في أزّه وجبان قلب أعزل ، قد رام يأ * سر فارسا شاكي السلاح بهزه مفسدات القلب وأما مفسدات القلب الخمسة : فهي التي أشار إليها : من كثرة الخلطة والتمني . والتعلق بغير اللّه ، والشبع ، والمنام . فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب . فنذكر آثارها التي اشتركت فيها ، وما تميز به كل واحد منها . المفسد الأول من مفسدات القلب : كثرة الخلطة . اعلم أن القلب يسير إلى اللّه عزّ وجلّ ، والدار الآخرة ، ويكشف عن طريق الحق ونهجه ، وآفات النفس والعمل ، وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته ، وصحته وعزمه ، وسلامة سمعه وبصره ، وغيبة الشواغل والقواطع عنه . وهذه الخمسة تطفئ نوره ، وتعور عين بصيرته ، وتثقل سمعه ، إن لم تصمه وتبكمه - وتضعف قواه كلها . وتوهن صحته وتفتّر عزيمته ، وتوقف همته ، وتنكسه إلى ورائه . ومن لا شعور له بهذا فميت القلب . وما لجرح بميت إيلام . فهي عائقة له عن نيل كماله . قاطعة له عن الوصول إلى ما خلق له . وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه . فإنه لا نعيم له ولا لذة ، ولا ابتهاج ، ولا كمال ، إلا بمعرفة اللّه ومحبته ، والطمأنينة بذكره ، والفرح والابتهاج بقربه ، والشوق إلى لقائه . فهذه جنته العاجلة . كما أنه لا نعيم له في الآخرة ، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة . فله جنتان . لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات . أقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا . إنهم لفي عيش طيب . وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قالوا : وما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة اللّه ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه - أو نحو هذا من الكلام . وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقا . وهذه الأشياء الخمسة : قاطعة عن هذا ، حائلة بين القلب وبينه ، عائقة له عن سيره ، ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها . فأما ما تؤثره كثرة الخلطة : فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسودّ ، ويوجب له