ابن قيم الجوزية

281

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أشراطها وعلاماتها ، وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه ، فكل منهما يسير إلى الآخرة ، فيوشك أن يلتقيا سريعا . ويكفي في قصر الأمل قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ [ الشّعراء : 205 ، 207 ] وقوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ [ يونس : 45 ] وقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) [ النّازعات : 46 ] وقوله تعالى : قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 114 ) [ المؤمنون : 113 ، 114 ] وقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ [ الأحقاف : 35 ] وقوله تعالى : يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ( 103 ) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً ( 104 ) [ طه : 103 ، 104 ] وخطب النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه يوما والشمس على رؤوس الجبال فقال « إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه » ومرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببعض أصحابه . وهم يعالجون خصّا لهم قد وهى . فهم يصلحونه ، فقال : « ما هذا ؟ قالوا : خصّ لنا قد وهي فنحن نعالجه . فقال : ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا » . وقصر الأمل بناؤه على أمرين : تيقن زوال الدنيا ومفارقتها ، وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها . ثم يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار . فوائد التدبير من القرآن وأما التأمل في القرآن : فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه . وجمع الفكر على تدبره وتعقله . وهو المقصود بإنزاله ، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر . قال اللّه تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) [ ص : 29 ] وقال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمّد : 24 ] وقال تعالى : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [ المؤمنون : 68 ] وقال تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) [ الزّخرف : 3 ] وقال الحسن : نزل القرآن ليتدبر ويعمل به . فاتخذوا تلاوته عملا . فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده ، وأقرب إلى نجاته : من تدبر القرآن ، وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته . فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما . وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ، ومآل أهلهما ، وتتلّ « 1 » في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة . وتثبت قواعد الإيمان في قلبه . وتشيد بنيانه . وتوطد أركانه . وتريه صورة الدنيا والآخرة ، والجنة والنار في قلبه . وتحضره بين الأمم ، وتريه أيام اللّه فيهم . وتبصّره مواقع العبر . وتشهده عدل اللّه وفضله . وتعرفه ذاته ، وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطريق وآفاتها . وتعرفه النفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم ، وأحوالهم وسيماهم . ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه . وافتراقهم فيما يفترقون فيه .

--> ( 1 ) تل الشيء في يده - بالمثناة الفوقية المفتوحة - وضعه فيها .