ابن قيم الجوزية
280
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وفي مدة العمر إلى النعيم أو إلى الجحيم . وهي كمدة المنام لمن له عقل حي وقلب واع . فما أولاه أن لا يصرف منها نفسا إلا في أحب الأمور إلى اللّه . فلو صرفه فيما يحبه وترك الأحب لكان مفرطا فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه ؟ فكيف إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه ؟ فاللّه المستعان ولا قوة إلا به . ويحتمل أن يريد بالأيام : أيام اللّه التي أمر رسله بتذكير أممهم بها . كما قال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم : 5 ] وقد فسرت « أيام اللّه » بنعمه ، وفسرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي . فالأول تفسير ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد . والثاني : تفسير مقاتل . والصواب : أن أيامه تعم النوعين . وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه ، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه . وسميت هذه النعم والنقم الكبار المتحدّث بها « أياما » لأنها ظرف لها . تقول العرب : فلان عالم بأيام العرب وأيام الناس . أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام . فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد استبصار العبر . وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته . قال اللّه تعالى لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] . ولا يتم ذلك إلا بالسلامة من الأغراض . وهي متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمارة بالسوء . فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل . ويعمي بصيرة القلب . ويصد عن اتباع الحق . ويضل عن الطريق المستقيم . فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتة . والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره . فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح ، والقبيح في صورة الحسن . فالتبس عليه الحق بالباطل . فأنّى له الانتفاع بالتذكر ، أو بالتفكر ، أو بالعظة ؟ . جني ثمرة التفكير قال : « وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء : بقصر الأمل . والتأمل في القرآن . وقلة الخلطة ، والتمني . والتعلق بغير اللّه . والشبع والمنام » . يعني : أن في منزل « التذكر » تجتنى ثمرة « الفكرة » لأنه أعلى منها . وكل مقام تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه . ولا سيما على ما قرره في خطبة كتابه « أن كل مقام يصحح ما قبله » . ثم ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء . أحدها : قصر الأمل ، والثاني : تدبر القرآن ، والثالث : تجنب مفسدات القلب الخمسة : فأما قصر الأمل : فهو العلم بقرب الرحيل ، وسرعة انقضاء مدة الحياة . وهو من أنفع الأمور للقلب . فإنه يبعثه على معافصة الأيام ، وانتهاز الفرص التي تمر مرّ السحاب ، ومبادرة طيّ صحائف الأعمال . ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ، ويحثه على قضاء جهاز سفره ، وتدارك الفارط . ويزهده في الدنيا . ويرغبه في الآخرة . فيقوم بقلبه - إذا داوم مطالعة قصر الأمل - شاهد من شواهد اليقين . يريه فناء الدنيا . وسرعة انقضائها وقلة ما بقي منها ، وأنها قد ترحلت مدبرة . ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها . وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رؤوس الجبال . ويريه بقاء الآخرة ودوامها ، وأنها قد ترحلت مقبلة . وقد جاء