ابن قيم الجوزية
274
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها . فبين العمل وبين القلب مسافة . وفي تلك المسافة قطّاع تمنع وصول العمل إلى القلب . فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ، ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة . ولا نور يفرق به بين أولياء اللّه وأعدائه ، وبين الحق والباطل ، ولا قوة في أمره . فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق . ورأى الحق والباطل . وميز بين أولياء اللّه وأعدائه . وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال . ثم بين القلب وبين الرب مسافة . وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه ، من كبر وإعجاب وإدلال ، ورؤية العمل ، ونسيان المنة . وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب . ومن رحمة اللّه تعالى : سترها على أكثر العمال ، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها ، من اليأس والقنوط والاستحسار ، وترك العمل ، وخمود العزم ، وفتور الهمة . ولهذا لما ظهرت « رعاية » أبي عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي واشتغل بها العباد عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة . والطبيب الحاذق يعلم كيف يطب النفوس . فلا يعمر قصرا ويهدم مصرا . قال « وإنما يستقيم الرجوع إليه حالا بثلاثة أشياء : بالإياس من عملك . وبمعاينة اضطرارك . وشيم برق لطفه بك » . الإياس من العمل يفسر بشيئين : أحدهما : أنه إذا نظر بعين الحقيقة إلى الفاعل الحق ، والمحرك الأول ، وأنه لولا مشيئته لما كان منك فعل . فمشيئته أوجبت فعلك لا مشيئتك - بقي بلا فعل . فهاهنا تنفع مشاهدة القدر ، والفناء عن رؤية الأعمال . والثاني : أن تيأس من النجاة بعملك . وترى النجاة إنما هي برحمته تعالى وعمله وفضله ، كما في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لن ينجي أحدا منكم عمله . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » فالمعنى الأول يتعلق ببداية الفعل ، والثاني بغايته ومآله . وأما معاينة الاضطرار : فإنه إذا أيس من عمله بداية ، وأيس من النجاة به نهاية شهد به في كل ذرة منه ضرورة تامة إليه . وليست ضرورته من هذه الجهة وحدها . بل من جميع الجهات . وجهات ضرورته لا تنحصر بعدد . ولا لها سبب . بل هو مضطر إليه بالذات ، كما أن اللّه عزّ وجلّ غني بالذات . فإن الغنى وصف ذاتي للرب . والفقر والحاجة والضرورة وصف ذاتي للعبد . قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللّه روحه : والفقر لي وصف ذات لازم أبدا * كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وأما شيم برق لطفه بك : فإنه إذا تحقق له قوة ضرورية . وأيس من عمله والنجاة به ، نظر إلى ألطاف اللّه وشام برقها . وعلم أن كل ما هو فيه وما يرجوه وما تقدم له : لطف من اللّه به ، ومنة منّ بها عليه ، وصدقة تصدق بها عليه بلا سبب منه . إذ هو المحسن بالسبب والمسبب . والأمر له من قبل ومن بعد . وهو الأول والآخر . لا إله غيره . ولا رب سواه .