ابن قيم الجوزية

275

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

منزلة التذكّر ثم ينزل القلب منزل « التذكر » وهو قرين الإنابة . قال اللّه تعالى وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [ غافر : 13 ] وقال : تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) [ ق : 8 ] وهو من خواص أولي الألباب . كما قال تعالى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الرّعد : 19 ] وقال تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] . و « التذكر » و « التفكر » منزلان يثمران أنواع المعارف ، وحقائق الإيمان والإحسان . والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره ، وبتذكره على تفكره ، حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم . قال الحسن البصري : ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر ، وبالتفكر على التذكر ، ويناطقون القلوب حتى نطقت . التذكر والتفكر قال صاحب المنازل : « التذكر فوق التفكر . لأن التفكر طلب ، والتذكر وجود » . يريد أن التفكر التماس الغايات من مباديها . كما قال : « التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية » . وأما قوله « التذكر وجود » فلأنه يكون فيما قد حصل بالتفكر . ثم غاب عنه بالنسيان . فإذا تذكره وجده فظفر به . و « التذكر » تفعل من الذكر . وهو ضد النسيان . وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب . واختير له بناء التفعل ، لحصوله بعد مهلة وتدرج . كالتبصر والتفهم والتعلم . فمنزلة « التذكر » من « التفكر » منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه . ولهذا كانت آيات اللّه المتلوة والمشهودة ذكرى . كما قال في المتلوة : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ( 53 ) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 54 ) [ غافر : 53 ، 54 ] وقال عن القرآن : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) [ الحاقّة : 48 ] وقال في آياته المشهودة : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ ق : 6 - 8 ] . ف « التبصرة » آلة البصر ، و « التذكرة » آلة الذكر . وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة . لأن العبد إذا أناب إلى اللّه أبصر مواقع الآيات والعبر . فاستدل بها على ما هي آيات له . فزال عنه الإعراض بالإنابة ، والعمى بالتبصرة ، والغفلة بالتذكرة . لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها . فترتيب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب ، ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره . وقال تعالى في آياته المشهودة : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 ) [ ق : 36 ، 37 ] .