ابن قيم الجوزية
262
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ومن آثارهما : مغفرة الزلات ، وإقالة العثرات ، والعفو عن السيئات ، والمسامحة على الجنايات . مع كمال القدرة على استيفاء الحق . والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها . فحلمه بعد علمه ، وعفوه بعد قدرته ، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته ، كما قال المسيح عليه السلام إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) [ المائدة : 118 ] أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك . لست كمن يغفر عجزا . ويسامح جهلا بقدر الحق ، بل أنت عليم بحقك . قادر على استيفائه ، حكيم في الأخذ به . فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم ، وفي الأمر ، تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد ، وتقديرها : هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال . وغاياتها أيضا : مقتضى حمده ومجده ، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته . فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة ، والآيات الباهرة ، والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته ، واستدعاء محبتهم له ، وذكرهم له ، وشكرهم له ، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى . إذ كل اسم فله تعبد مختص به ، علما ومعرفة وحالا . وأكمل الناس عبودية : المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر . فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر ، كمن يحجبه التعبد باسمه « القدير » عن التعبد باسمه « الحليم الرحيم » أو يحجبه عبودية اسمه « المعطي » عن عبودية اسمه « المانع » أو عبودية اسمه « الرحيم والعفوّ والغفور » عن اسمه « المنتقم » أو التعبد بأسماء « التودد ، والبر ، واللطف ، والإحسان » عن أسماء « العدل ، والجبروت ، والعظمة ، والكبرياء » ونحو ذلك . وهذه طريقة الكمّل من السائرين إلى اللّه . وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن . قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ، ودعاء الثناء ، ودعاء التعبد . وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ، ويثنوا عليه بها ، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها . وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته . فهو « عليم » يحب كل عليم « جواد » يحب كل جواد « وتر » يحب الوتر « جميل » يحب الجمال « عفوّ » يحب العفو وأهله « حييّ » يحب الحياء وأهله « برّ » يحب الأبرار « شكور » يحب الشاكرين « صبور » يحب الصابرين « حليم » يحب أهل الحلم . فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة ، والعفو والصفح : خلق من يغفر له ، ويتوب عليه ويعفو عنه . وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض له . ليترتب عليه المحبوب له المرضي له . فتوسطه كتوسط الأسباب المكروهة المفضية إلى المحبوب : فربما كان مكروه العباد إلى * محبوبها سبب ما مثله سبب والأسباب - مع مسبباتها - أربعة أنواع : محبوب يفضي إلى محبوب . ومكروه يفضي إلى محبوب . وهذان النوعان عليهما مدار أقضيته وأقداره سبحانه بالنسبة إلى ما يحبه وما يكرهه . والثالث : مكروه يفضي إلى مكروه . والرابع : محبوب يفضي إلى مكروه . وهذان النوعان ممتنعان في حقه سبحانه ، إذ الغايات المطلوبة من قضائه وقدره - الذي ما خلق ما خلق ، ولا