ابن قيم الجوزية
263
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قضى ما قضى إلا لأجل حصولها - لا تكون إلا محبوبة للرب مرضية له . والأسباب الموصلة إليها منقسمة إلى محبوب له ومكروه له . فالطاعات والتوحيد : أسباب محبوبة له ، موصلة إلى الإحسان ، والثواب المحبوب له أيضا . والشرك والمعاصي : أسباب مسخوطة له ، موصلة إلى العدل المحبوب له . وإن كان الفضل أحب إليه من العدل . فاجتماع العدل والفضل أحب إليه من انفراد أحدهما عن الآخر ، لما فيهما من كمال الملك والحمد ، وتنوع الثناء ، وكمال القدرة . فإن قيل : كان يمكن حصول هذا المحبوب من غير توسط المكروه . قيل : هذا سؤال باطل ، لأن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع . والذي يقدّر في الذهن وجوده شيء آخر غير هذا المطلوب المحبوب للرب . وحكم الذهن عليه بأنه محبوب للرب حكم بلا علم . بل قد يكون مبغوضا للرب تعالى لمنافاته حكمته . فإذا حكم الذهن عليه بأنه محبوب له . كان نسبة له إلى ما لا يليق به ، ويتعالى عنه . فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل . فإنه مزلة أقدام ، ومضلة أفهام . ولو أمسك عن الكلام من لا يعلم لقل الخلاف . وهذا المشهد أجل من أن يحيط به كتاب ، أو يستوعبه خطاب ، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تطلع على ما وراءها . واللّه الموفق والمعين . المشهد التاسع : مشهد زيادة الإيمان وتعدد شواهده : وهذا من ألطف المشاهد ، وأخصها بأهل المعرفة . ولعل سامعه يبادر إلى إنكاره ، ويقول : كيف يشهد زيادة الإيمان من الذنوب والمعاصي ؟ ولا سيما ذنوب العبد ومعاصيه . وهل ذلك إلا منقص للإيمان ، فإنه بإجماع السلف : يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية . فاعلم أن هذا حاصل من التفات العارف إلى الذنوب والمعاصي منه ومن غيره وإلى ترتب آثارها عليها . وترتب هذه الآثار عليها علم من أعلام النبوة . وبرهان من براهين صدق الرسل ، وصحة ما جاؤوا به . فإن الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - أمروا العباد بما فيه صلاح ظواهرهم وبواطنهم ، في معاشهم ومعادهم . ونهوهم عما فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم في المعاش والمعاد . وأخبروهم عن اللّه عزّ وجلّ : أنه يحب كذا وكذا ، ويثيب عليه بكذا وكذا ، وأنه يبغض كيت وكيت ، ويعاقب عليه بكيت وكيت . وأنه إذا أطيع بما أمر به : شكر عليه بالإمداد والزيادة ، والنعم ، في القلوب والأبدان والأموال . ووجد العبد زيادته وقوته في حاله كلها ، وأنه إذا خولف أمره ونهيه ، ترتب عليه من النقص ، والفساد ، والضعف ، والذل والمهانة ، والحقارة ، وضيق العيش وتنكد الحياة ما ترتب ، كما قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) [ النّحل : 97 ] وقال : وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ [ النحل : 30 ] وقال تعالى : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [ هود : 3 ] وقال تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) [ طه : 124 ] وفسرت المعيشة الضّنك : بعذاب القبر . والصحيح :