ابن قيم الجوزية

258

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الرّعد : 16 ] وقوله هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [ لقمان : 11 ] وقوله أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النّحل : 17 ] وقوله وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) [ النّحل : 20 ] وقوله وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [ الفرقان : 3 ] وهو كثير في القرآن . وبه تتم الحجة كما تبين . والمقصود : أن العبد يحصل له هذا في المشهد من مطالعة الجنايات والذنوب ، وجريانها عليه وعلى الخليقة بتقدير العزيز الحكيم . وأنه لا عاصم من غضبه وأسباب سخطه إلا هو . ولا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته . ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقه . فموارد الأمور كلها منه . ومصادرها إليه . وأزمة التوفيق جميعها بيديه فلا مستعان للعباد إلا به ، ولا متّكل إلا عليه . كما قال شعيب خطيب الأنبياء . وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود : 88 ] . المشهد السابع : مشهد التوفيق والخذلان : وهو من تمام هذا المشهد وفروعه . ولكن أفرد بالذكر لحاجة العبد إلى شهوده وانتفاعه به . وقد أجمع العارفون باللّه : « أن « التوفيق » هو أن لا يكلك اللّه إلى نفسك ، وأن « الخذلان » هو أن يخلي بينك وبين نفسك . فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه . بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا . فيطيعه ويرضيه ، ويذكره ويشكره بتوفيقه له . ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له . فهو دائر بين توفيقه وخذلانه . فإن وفقه فبفضله ورحمته . وإن خذله فبعدله وحكمته . وهو المحمود على هذا وهذا . له أتم حمد وأكمله . ولم يمنع العبد شيئا هو له . وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه . وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله ؟ فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه ، علم شدة ضرورته وحاجته إلى التوفيق في كلّ نفس وكل لحظة وطرفة عين . وأن إيمانه وتوحيده بيده تعالى . لو تخلى عنه طرفة عين لثلّ عرش توحيده ، ولخرّت سماء إيمانه على الأرض . وأن الممسك له : هو من يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه . فهجّيرى « 1 » قلبه ودأب لسانه « يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك ، يا مصرّف القلوب صرّف قلبي إلى طاعتك » ودعواه « يا حيّ يا قيوم ، يا بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام . لا إله إلا أنت . برحمتك أستغيث . أصلح لي شأني كله . ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين . ولا إلى أحد من خلقك » . ففي هذا المشهد يشهد توفيق اللّه وخذلانه ، كما يشهد ربوبيته وخلقه . فيسأله توفيقه مسألة المضطر . ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف . ويلقي نفسه بين يديه ، طريحا ببابه مستسلما له ، ناكس الرأس بين يديه ، خاضعا ذليلا مستكينا ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . و « التوفيق » إرادة اللّه من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد ، بأن يجعله قادرا على فعل ما يرضيه ، مريدا له ، محبا له ، مؤثرا له على غيره . ويبغّض إليه ما يسخطه ، ويكرّهه إليه . وهذا

--> ( 1 ) هجيرى الإنسان - بكسر الهاء وتشديد الجيم المكسورة بالقصر - دأبه الذي يلازمه ولا يتركه . ويسميها الناس في بعض البلاد في هذا العصر « لازمة » فالذي يكثر في كلامه من كلمة « مثلا » ، أو « مفهوم » يقولون : لازمته « مثلا » أو « مفهوم » .