ابن قيم الجوزية

259

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

مجرد فعله . والعبد محل له . قال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) [ الحجرات : 7 ، 8 ] فهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له . حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله . لا يمنعه أهله ، ولا يضعه عند غير أهله . وذكر هذا عقيب قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [ الحجرات : 7 ] ثم جاء به بحرف الاستدراك فقال وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ [ الحجرات : 7 ] . يقول سبحانه : لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له ، وتزيينه في قلوبكم : منكم ، ولكن اللّه هو الذي جعله في قلوبكم كذلك . فآثرتموه ورضيتموه ، فلذلك لا تقدّموا بين يدي رسولي ، ولا تقولوا حتى يقول . ولا تفعلوا حتى يأمر . فالذي حبب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده منكم ، وأنتم فلو لا توفيقه لكم لما أذعنت نفوسكم للإيمان . فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم . ولا تقدمتم به إليها . فنفوسكم تقصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه . فلو أطاعكم رسولي في كثير مما تريدون : لشق عليكم ذلك . ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون . ولا تظنوا أن نفوسكم تريد لكم الرشد والصلاح ، كما أردتم الإيمان . فلو لا أني حببته إليكم وزينته في قلوبكم ، وكرهت إليكم ضده لما وقع منكم . ولا سمحت به أنفسكم . وقد ضرب للتوفيق والخذلان مثل : ملك أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولا . وكتب معه إليهم كتابا يعلمهم أن العدو مصبّحهم عن قريب ومجتاحهم ، ومخرّب البلد ، ومهلك من فيها . وأرسل إليهم أموالا ومراكب وزادا وعدة وأدلة ، وقال : ارتحلوا مع هؤلاء الأدلة . وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجون إليه ثم قال لجماعة من مماليكه : اذهبوا إلى فلان ، فخذوا بيده واحملوه ولا تذروه يقعد . واذهبوا إلى فلان كذلك وإلى فلان ، وذروا من عداهم . فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي . فذهب خواص مماليكه إلى من أمروا بحملهم . فلم يتركوهم يقرون . بل حملوهم حملا . وساقوهم سوقا إلى الملك . فاجتاح العدوّ من بقي في المدينة وقتلهم ، وأسر من أسر . فهل يعد الملك ظالما لهؤلاء ، أم عادلا فيهم ؟ نعم خص أولئك بإحسانه وعنايته وحرمها من عداهم ، إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه ، بل ذلك فضله يؤتيه من يشاء « 1 » . وقد فسرت القدرية الجبرية « التوفيق » بأنه خلق الطاعة ، و « الخذلان » بأنه خلق المعصية . ولكن بنوا ذلك على أصولهم الفاسدة من إنكار الأسباب والحكم ، وردوا الأمر إلى محض المشيئة من غير سبب ولا حكمة . وقابلهم القدرية النفاة ، ففسروا « التوفيق » بالبيان العام ، والهدى العام ، والتمكن من الطاعة والإقبال عليها . وتهيئة أسبابها . وهذا حاصل لكل كافر ومشرك بلغته الحجة . وتمكن من الإيمان .

--> ( 1 ) سبحان اللّه أن تضرب له الأمثال . فإن اللّه يعلم وهم لا يعلمون . وهو رب العالمين الرحمن الرحيم ، يربيهم جميعا بنعمه وإحسانه .