ابن قيم الجوزية

255

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

سببها معاصي بني آدم وذنوبهم ، كآيته في إغراق قوم نوح ، وعلو الماء على رؤوس الجبال ، حتى أغرق جميع أهل الأرض ، ونجّى أولياءه ، وأهل معرفته وتوحيده . فكم في ذلك من آية وعبرة ، ودلالة باقية على ممر الدهور ؟ ! وكذلك إهلاك قوم عاد وثمود . وكم له من آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى عليه السلام إليهم - بل قبل مبعثه - إلى حين إغراقهم ، لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك الآيات والعجائب . وفي التوراة : أن اللّه تعالى قال لموسى : اذهب إلى فرعون فإني سأقسّي قلبه ، وأمنعه عن الإيمان لأظهر آياتي وعجائبي بمصر . وكذلك فعل سبحانه . فأظهر من آياته وعجائبه بسبب ذنوب فرعون وقومه ما أظهر . وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ، بسبب ذنوب قومه ومعاصيهم . وإلقائهم له في النار ، حتى صارت تلك آية ، وحتى نال إبراهيم بها ما نال من كمال الخلة . وكذلك ما حصل للرسل من الكرامة والمنزلة والزّلفى عند اللّه ، والوجاهة عنده ، بسبب صبرهم على أذى قومهم . وعلى محاربتهم لهم ومعاداتهم . وكذلك اتخاذ اللّه تعالى الشهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم ، بسبب صبرهم على أذى بني آدم من أهل المعاصي والظلم ، ومجاهدتهم في اللّه ، وتحملهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه ، واستحقاقهم بذلك رفعة الدرجات . إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم . وكان من سببها : تقدير ما يبغضه اللّه ويسخطه . وكان ذلك محض الحكمة ، لما يترتب عليه مما هو أحب إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية . فحصول هذا المحبوب العظيم : أحب إليه من فوات ذلك المبغوض المسخوط ، فإن فواته وعدمه سواء - وإن كان محبوبا له - لكن حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يحصل بدون وجود ذلك المبغوض أحب إليه . وفوات هذا المحبوب : أكره إليه من فوات ذلك المكروه المسخوط . وكمال حكمته يقتضي حصول أحب الأمرين إليه بفوات أدنى المحبوبين ، وأن لا يعطل هذا الأحب بتعطيل ذلك المكروه . وفرض الذهن وجود هذا بدون هذا : كفرضه وجود المسببات بدون أسبابها ، والملزومات بدون لوازمها ، مما تمنعه حكمة اللّه ، وكمال قدرته وربوبيته . ويكفي من هذا مثال واحد . وهو أنه لولا المعصية من أبي البشر - بأكله من الشجرة - لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى ، من امتحان خلقه وتكليفهم ، وإرسال رسله وإنزال كتبه ، وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها ، وإكرام أوليائه ، وإهانة أعدائه ، وظهور عدله وفضله ، وعزته وانتقامه ، وعفوه ومغفرته ، وصفحه وحلمه ، وظهور من يعبده ويحبه ، ويقوم بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان . فلو قدّر أن آدم لم يأكل من الشجرة ، ولم يخرج من الجنة هو وأولاده : لم يكن شيء من تلك ، ولا ظهر من القوة إلى الفعل ما كان كامنا في قلب إبليس يعلمه اللّه ولا تعلمه الملائكة . ولم يتميز خبيث الخلق من طيبهم ، ولم تتم المملكة ، حيث لم يكن هناك إكرام وثواب ، وعقوبة وإهانة ، ودار سعادة وفضل ، ودار شقاوة وعدل .