ابن قيم الجوزية
256
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وكم في تسليط أوليائه على أعدائه ، وتسليط أعدائه على أوليائه ، والجمع بينهما في دار واحدة ، وابتلاء بعضهم ببعض : من حكمة بالغة ، ونعمة سابغة ؟ وكم فيها من حصول محبوب للرب ، وحمد له من أهل سماواته وأرضه ، وخضوع له وتذلل ، وتعبد وخشية وافتقار إليه ، وانكسار بين يديه : أن لا يجعلهم من أعدائه . إذ هم يشاهدونهم ويشاهدون خذلان اللّه لهم ، وإعراضه عنهم ، ومقته لهم ، وما أعد لهم من العذاب . وكل ذلك بمشيئته وإرادته ، وتصرفه في مملكته . فأولياؤه من خشية خذلانه خاضعون مشفقون ، على أشد وجل ، وأعظم مخافة ، وأتم انكسار . فإذا رأت الملائكة إبليس وما جرى له ، وهاروت وماروت : وضعت رؤوسها بين يدي الرب خضوعا لعظمته ، واستكانة لعزته ، وخشية من إبعاده وطرده ، وتذللا لهيبته ، وافتقارا إلى عصمته ورحمته ، وعلمت بذلك منته عليهم ، وإحسانه إليهم ، وتخصيصه لهم بفضله وكرامته . وكذلك أولياؤه المتقون ، إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم ، وغضبه عليهم ، وخذلانه لهم : ازدادوا خضوعا وذلا ، وافتقارا وانكسارا ، وبه استعانة وإليه إنابة ، وعليه توكلا ، وفيه رغبة ، ومنه رهبة . وعلموا أنهم لا ملجأ لهم منه إلا إليه ، وأنهم لا يعيذهم من بأسه إلا هو ، ولا ينجيهم من سخطه إلا مرضاته ، فالفضل بيده أولا وآخرا . وهذه قطرة من بحر حكمته المحيطة بخلقه . والبصير يطالع ببصيرته ما وراءه . فيطلعه على عجائب من حكمته ، لا تبلغها العبارة ، ولا تنالها الصفة . وأما حظ العبد في نفسه ، وما يخصه من شهود هذه الحكمة : فبحسب استعداده وقوة بصيرته ، وكمال علمه ومعرفته باللّه وأسمائه وصفاته ومعرفته بحقوق العبودية والربوبية ، وكل مؤمن له من ذلك شرب معلوم ، ومقام لا يتعداه ولا يتخطاه . واللّه الموفق والمعين . المشهد السادس : مشهد التوحيد : وهو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه . وأن الخلق مقهورون تحت قبضته ، وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه . إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه . فالقلوب بيده . وهو مقلبها ومصرفها كيف شاء وكيف أراد ، وأنه هو الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها ، وهو الذي هداها وزكاها وألهم نفوس الفجار فجورها وأشقاها مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) [ الأعراف : 178 ] يهدي من يشاء بفضله ورحمته ، ويضل من يشاء بعدله وحكمته . هذا فضله وعطاؤه . وما فضل الكريم بممنون . وهذا عدله وقضاؤه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) [ الأنبياء : 23 ] . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما « الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده ، ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده » . وفي هذا المشهد : يتحقق للعبد مقام إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] علما وحالا ، فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ، ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الإلهية . فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، والهدى والضلال ، والسعادة والشقاء : كل ذلك بيد اللّه لا بيد