ابن قيم الجوزية

254

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ويشهدون أنه يكون في ملك اللّه ما لا يشاؤه ، وأنه يشاء ما لا يكون ، وأن العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة اللّه . فالمعاصي والذنوب خلقهم ، وموجب مشيئتهم ، لا أنها خلق اللّه . ولا تتعلق بمشيئته . وهم لذلك مبخوسو الحظ جدا من الاستعانة باللّه والتوكل عليه ، والاعتصام به ، وسؤاله أن يهديهم ، وأن يثبّت قلوبهم ، وأن لا يزيغها ، وأن يوفقهم لمرضاته ، ويجنبهم معصيته . إذ هذا كله واقع بهم ، وعين أفعالهم . لا يدخل تحت مشيئة الرب شيء منها . والشيطان قد رضي منهم بهذا القدر . فلا يؤزّهم إلى المعاصي ذلك الأزّ ، ولا يزعجهم إليها ذلك الإزعاج . وله في ذلك غرضان مهمان : أحدهما : أن يقر في قلوبهم صحة هذا المشهد وهذه العقيدة . وأنكم تاركون الذنوب والكبائر التي يقع فيها أهل السنة . فدل على أن الأمر مفوض إليكم ، واقع بكم ، وأنكم العاصمون لأنفسكم ، المانعون لها من المعصية . الغرض الثاني : أنه يصطاد على أيديهم الجهال . فإذا رأوهم أهل عبادة ، وزهادة ، وتورع عن المعاصي ، وتعظيم لها . قالوا : هؤلاء أهل الحق - والبدعة آثر عنده وأحب إليه من المعصية - فإذا ظفر بها منهم ، واصطاد الجهال على أيديهم ، كيف يأمرهم بالمعصية ؟ بل ينهاهم عنها ويقبحها في أعينهم وقلوبهم . ولا يكشف هذه الحقائق إلا أرباب البصائر . المشهد الخامس : وهو أحد مشاهد أهل الاستقامة : مشهد « الحكمة » وهو مشهد حكمة اللّه في تقديره على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه ، ويلوم ويعاقب عليه . وأنه لو شاء لعصمه منه ، والحال بينه وبينه . وأنه سبحانه لا يعصى قسرا . وأنه لا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ الأعراف : 54 ] . وهؤلاء يشهدون أن اللّه سبحانه لم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ، وأن له الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر ، وطاعة ومعصية ، وحكمة باهرة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها . وتكلّ الألسن عن التعبير عنها . فمصدر قضائه وقدره ، لما يبغضه ويسخطه : اسمه « الحكيم » الذي بهرت حكمته الألباب ، وقد قال تعالى لملائكته - لما قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] فأجابهم سبحانه بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] فللّه سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم ، وترتب آثارها من الآيات والحكم . وأنواع التعرفات إلى خلقه ، وتنويع آياته ، ودلائل ربوبيته ووحدانيته ، وإلهيته ، وحكمته ، وعزته ، وتمام ملكه ، وكمال قدرته . وإحاطة علمه - : ما يشهده أولو البصائر عيانا ببصائر قلوبهم ، فيقولون رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [ آل عمران : 191 ] إن هي إلا حكمتك الباهرة ، وآياتك الظاهرة : وللّه في كل تحريكة * وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد فكم من آية في الأرض بينة ، دالة على اللّه ، وعلى صدق رسله ، وعلى أن لقاءه حق . كان