ابن قيم الجوزية

251

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومنهم : من نفسه سبعية غضبية . همته العدوان على الناس ، وقهرهم بما وصلت إليه قدرته ، طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه . ومنهم : من نفسه فأرية ، فاسق بطبعه ، مفسد لما جاوره ، تسبيحه بلسان الحال : سبحان من خلقه للفساد . ومنهم : من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات ، كالحية والعقرب وغيرهما . وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه . فيدخل الرجل القبر والجمل القدر . والعين وحدها لم تفعل شيئا . وإنما النفس الخبيثة السّمّية تكيفت بكيفية غضبية ، مع شدة حسد وإعجاب ، وقابلت المعين على غرّة منه وغفلة . وهو أعزل من سلاحه . فلدغته كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه . فإما عطب وإما أذى . ولهذا لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهدة . بل إذا وصف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه . والذنب لجهل المعين وغفلته وغرّته عن حمل سلاحه كل وقت . فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح ، كالحية إذا قابلت درعا سابغا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف . فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها : أن لا يزال متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب ، مواظبا على أوراد التعوذات ، والتحصينات النبوية ، التي في القرآن ، والتي في السنة . وإذا عرف الرجل بالأذى بالعين : ساغ - بل وجب - حبسه وإفراده عن الناس ويطعم ويسقى حتى يموت . ذكر ذلك غير واحد من الفقهاء . ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف . لأن هذا من نصيحة المسلمين ، ودفع الأذى عنهم . ولو قيل فيه غير ذلك لم يكن بعيدا من أصول الشرع . فإن قيل : فهل تقيدون منه إذا قتل بعينه ؟ . قيل : إن كان ذلك بغير اختياره ، بل غلب على نفسه لم يقتص منه . وعليه الدية . وإن تعمد وقدر على رده ، وعلم أنه يقتل به : ساغ للولي أن يقتله بمثل ما قتل به . فيعينه إن شاء ، كما عان هو المقتول . وأما قتله بالسيف قصاصا : فلا . لأن هذا ليس مما يقتل غالبا ، ولا هو مماثل لجنايته . وسألت شيخنا أبا العباس ابن تيمية - قدس اللّه روحه - عن القتل بالحال ، هل يوجب القصاص ؟ . فقال : للولي أن يقتله بالحال « 1 » . كما قتل به . فإن قيل : فما الفرق بين القتل بهذا وبين القتل بالسحر ، حيث توجبون القصاص به بالسيف ؟ . قلنا : الفرق من وجهين : أحدهما : أن السحر الذي يقتل به : هو السحر الذي يقتل مثله غالبا . ولا ريب أن هذا كثير في السحر . وفيه مقالات وأبواب معروفة للقتل عند أربابه .

--> ( 1 ) هذا غريب ، إلا أن يكون في الكلام تحريف .