ابن قيم الجوزية

252

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الثاني : أنه لا يمكن أن يقتص منه بمثل ما فعل . لكونه محرما لحق اللّه . فهو كما لو قتله باللواط وتجريع الخمر . فإنه يقتص منه بالسيف . وليس هذا موضع ذكر هذه المسائل ، وإنما ذكرت لما ذكرنا أن من النفوس البشرية ما هي على نفوس الحيوانات العادية وغيرها . وهذا هو تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . وعلى هذا الشّبه اعتماد أهل التعبير للرؤيا في رؤية هذه الحيوانات في المنام عند الإنسان وفي داره ، أو أنها تحاربه . وهو كما اعتمدوه . وقد وقع لنا ولغيرنا من ذلك في المنام وقائع كثيرة . فكان تأويلها مطابقا لأقوام على طباع تلك الحيوانات . وقد رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في قصة أحد « بقرا تنحر » فكان من أصيب من المؤمنين بنحر الكفار . فإن البقر أنفع الحيوانات للأرض . وبها صلاحها وفلاحها مع ما فيها من السكينة والمنافع والذل - بكسر الذال - فإنها ذلول مذللة ، منقادة غير أبية . والجواميس كبارهم ورؤساؤهم . ورأى عمر بن الخطاب كأن ديكا نقره ثلاث نقرات ، فكان طعن أبي لؤلؤة له . والديك رجل أعجمي شرير . ومن الناس : من طبعه طبع خنزير ، يمر بالطيبات فلا يلوي عليها . فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمّه . وهكذا كثير من الناس . يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء ، فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه . فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها . فجعلها فاكهته ونقله . ومنهم : من هو على طبيعة الطاووس ليس له إلا التّطوس والتزين بالريش . وليس وراء ذلك من شيء . ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان ، وأغلظه كبدا . ومنهم من هو على طبيعة الدّبّ أبكم خبيث ، وعلى طبيعة القرد . وأحمد طبائع الحيوانات : طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا ، وأكرمها طبعا . وكذلك الغنم . وكل من ألف ضربا من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه . فإن تغذى بلحمه كان الشّبه أقوى . فإن الغاذي شبيه بالمغتذي . ولهذا حرم اللّه أكل لحوم السباع وجوارح الطير ، لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها . واللّه أعلم . والمقصود : أن أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى ميل نفوسهم وشهواتهم . لا يعرفون ما وراء ذلك البتة . المشهد الثاني : مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة . كمشهد زنادقة الفلاسفة والأطباء ، الذين يشهدون أن ذلك من لوازم الخلقة الإنسانية ، وأن تركيب الإنسان من الطبائع الأربع وامتزاجها واختلاطها ، كما يقتضي بغي بعضها على بعض ، وخروجه عن الاعتدال - بحسب اختلاف هذه الأخلاط - فكذلك تركيبه من البدن والنفس والطبيعة والأخلاط الحيوانية ، تتقاضاه آثار هذه الخلقة ورسوم تلك الطبيعة . ولا تنقهر إلا بقاهر . إما من نفسه ، وإما من خارج عنه . وأكثر النوع الإنساني ليس