ابن قيم الجوزية
250
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد ، فعفا عنه الولي ، وتاب القاتل توبة نصوحا ، فاللّه تعالى يقبل توبته . ويعوض المقتول . فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده . والحكم بعد ذلك للّه إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 ) [ النّمل : 78 ] . في مشاهد الخلق في المعصية وهي ثلاثة عشر مشهدا : مشهد الحيوانية ، وقضاء الشهوة . ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة . ومشهد الجبر . ومشهد القدر . ومشهد الحكمة . ومشهد التوفيق والخذلان ، ومشهد التوحيد . ومشهد الأسماء والصفات . ومشهد الإيمان وتعدد شواهده . ومشهد الرحمة . ومشهد العجز والضعف . ومشهد الذل والافتقار . ومشهد المحبة والعبودية . فالأربعة الأول للمنحرفين . والثمانية البواقي لأهل الاستقامة . وأعلاها : المشهد العاشر . وهذا الفصل من أجلّ فصول الكتاب . وأنفعها لكل أحد . وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر ، ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه . إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى « سفر الهجرتين في طريق السعادتين » . فأما مشهد الحيوانية ، وقضاء الشهوة : فمشهد الجهّال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان ، إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان . ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها . فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية ، لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية ، فضلا عن درجة الملائكة . فهؤلاء حالهم أخسّ من أن تذكر . وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها . فمنهم : من نفسه كلبية . لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها ، وحماها من سائر الكلاب . ونبح كل كلب يدنو منها . فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة . ولا يسمح لكلب بشيء منها . وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق : ميتة أو مذكى ، خبيث أو طيب . ولا يستحي من قبيح . إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 176 ] إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك . وإن منعته هرّك ونبحك . ومنهم : من نفسه حمارية . لم تخلق إلا للكد والعلف . كلما زيد في علفه زيد في كده ، أبكم الحيوان ، وأقله بصيرة . ولهذا مثّل اللّه سبحانه وتعالى به من حمّله كتابه . فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا . ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه اللّه آياته فانسلخ منها ، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه « 1 » . وفي هذين المثلين أسرار عظيمة . ليس هذا موضع ذكرها .
--> ( 1 ) الذي يظهر من سياق الآيات وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ - إلى قوله - أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أنها في كل من عمي بالغفلة التقليدية عن هداية الفطرة الإنسانية السميعة البصيرة المميزة ، التي آتاها اللّه إياه بالآيات في نفسه وفي الآفاق ، فإن اللّه جعل لكل إنسان هذه الآيات درعا يقيه اللّه به كيد الشيطان . فلما عمي عنها وانسلخ منها أخلد إلى أرض الشهوات . فاتبع هواه وكان من الغاوين .