ابن قيم الجوزية

249

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

كأنه يشاهده رأي عين . ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه وربوبيته وعزته وحكمته . وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك . ونسبة خلاف ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إليه . فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره . وهذا يقين الإيمان . وهو الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب . وصاحب هذا المقام من الإيمان : يستحيل إصراره على السيئات ، وإن وقعت منه وكثرت . فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى اللّه بعدد أنفاسه . وهذا من أحب الخلق إلى اللّه . فهذه مجامع طرق الناس في نصوص الوعيد . واختلفوا فيما إذا تاب القاتل وسلّم نفسه . فقتل قصاصا . هل يبقى عليه يوم القيامة للمقتول حق ؟ . فقالت طائفة : لا يبقى عليه شيء . لأن القصاص حده . والحدود كفارة لأهلها وقد استوفى ورثة المقتول حق موروثهم . وهم قائمون مقامه في ذلك . فكأنه قد استوفاه بنفسه . إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه أو وكيله . يوضح هذا : أنه أحد الجنايتين ، فإذا استوفيت منه لم يبق عليه شيء ، كما لو جنى على طرفه فاستقاد منه . فإنه لا يبقى له عليه شيء . وقالت طائفة : المقتول قد ظلم . وفاتت عليه نفسه . ولم يستدرك ظلامته . والوارث إنما أدرك ثأر نفسه ، وشفاء غيظه . وأي منفعة حصلت للمقتول بذلك ؟ وأي ظلامة استوفاها من القاتل ؟ . قالوا : فالحقوق في القتل ثلاثة : حق للّه . وحق للمقتول . وحق للوارث . فحق اللّه : لا يزول إلا بالتوبة . وحق الوارث : قد استوفاه بالقتل . وهو مخير بين ثلاثة أشياء : بين القصاص ، والعفو مجانا ، أو إلى مال . فلو أحله ، أو أخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك . فكذلك إذا اقتص منه . لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه . فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين ؟ . قالوا : ولو قال القتيل : لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة . فقتلوه ، أكان يسقط حقه ولم يسقطه ؟ فإن قلتم : يسقط . فباطل . لأنه لم يرض بإسقاطه . وإن قلتم : لا يسقط . فكيف تسقطونه إذا اقتص منه ، مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه ؟ . وهذه حجج كما ترى في القوة ، لا تندفع إلا بأقوى منها أو بأمثالها . فالصواب - واللّه أعلم - أن يقال : إذا تاب القاتل من حق اللّه . وسلم نفسه طوعا إلى الوارث ، ليستوفي منه حق موروثه : سقط عنه الحقان . وبقي حق الموروث لا يضيعه اللّه . ويجعل من تمام مغفرته للقاتل : تعويض المقتول . لأن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله . والتوبة النصوح تهدم ما قبلها . فيعوض هذا عن مظلمته . ولا يعاقب هذا لكمال توبته . وصار هذا كالكافر المحارب للّه ولرسوله إذا قتل مسلما في الصف ، ثم أسلم وحسن إسلامه . فإن اللّه سبحانه يعوض هذا الشهيد المقتول . ويغفر للكافر بإسلامه . ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما ، فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله .