ابن قيم الجوزية

245

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بإخراجه عن ملكه بذلك ، وأن لا يعود إليه . فكان أحق الوجوه به : صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم . ولا يقوّى الفاجر به ويعان ، ويجمع له بين الأمرين . وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام ، وتعذر عليه تمييزه : أن يتصدق بقدر الحرام . ويطيّب باقي ماله . واللّه أعلم . توبة الغاصب إذا غصب مالا ومات ربه ، وتعذر رده عليه ، تعين عليه رده إلى وارثه . فإن مات الوارث رده إلى وارثه . وهلم جرّا . فإن لم يرده إلى ربه ، ولا إلى أحد ورثته فهل تكون المطالبة به في الآخرة للموروث ، إذ هو ربه الأصلي ، وقد غصبه عليه ، أو للوارث الأخير . إذ الحق قد انتقل إليه ؟ . فيه قولان للفقهاء . وهما وجهان في مذهب الشافعي رضي اللّه عنه . ويحتمل أن يقال : المطالبة للموروث ، ولكل واحد من الورثة . إذ كل منهم قد كان يستحقه . ويجب عليه الدفع إليه . فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعه إليه . فيتوجه عليه المطالبة في الآخرة له . فإن قيل : فكيف يتخلص بالتوبة من حقوق هؤلاء ؟ قيل : طريق التوبة : أن يتصدق عنهم بمال تجري منافع ثوابه عليهم بقدر ما فات كل واحد منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه ، متحريا للممكن من ذلك . وهكذا لو تطاولت على المال سنون ، وقد كان يمكن ربه أن ينميه بالربح . فتوبته بأن يخرج المال ومقدار ما فوته من ربح ماله . فإن كان قد ربح فيه بنفسه . فقيل : الربح كله للمالك . وهو قول الشافعي وظاهر مذهب أحمد رحمهما اللّه . وقيل : كله للغاصب . وهو مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما اللّه . وكذلك لو أودعه مالا فاتجر به وربح . فربحه له دون مالكه عندهما ، وضمانه عليه . وفيها قول ثالث : إنهما شريكان في الربح . وهو رواية عن أحمد رحمه اللّه . واختيار شيخنا رحمه اللّه . وهو أصح الأقوال . فتضم حصة المالك من الربح إلى أصل المال . ويتصدق بذلك . وهكذا لو غصب ناقة أو شاة ، فنتجت أولادا . فقيل : أولادها كلها للمالك . فإن ماتت - أو شيء من النتاج - رد أولادها وقيمة الأم وما مات من النتاج . هذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عند أصحابه . وقال مالك : إذا ماتت فربّها بالخيار بين أخذ قيمتها يوم ماتت وترك نتاجها للغاصب ، وبين أخذ نتاجها وترك قيمتها . وعلى القول الثالث الراجح : يكون عليه قيمتها . وله نصف النتاج . واللّه أعلم . الذنوب التي لا تقبل التوبة منها اختلف الناس : هل من الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا ؟ . فقال الجمهور : التوبة تأتي على كل ذنب . فكل ذنب يمكن التوبة منه وتقبل .