ابن قيم الجوزية

246

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقالت طائفة : لا توبة للقاتل . وهذا مذهب ابن عباس المعروف عنه ، وإحدى الروايتين عن أحمد . وقد ناظر ابن عباس في ذلك أصحابه ، فقالوا : « أليس قد قال اللّه تعالى في سورة الفرقان وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ( 69 ) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 70 ) [ الفرقان : الآيات 68 - 70 ] ؟ فقال : كانت هذه الآية في الجاهلية . وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا . فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الفرقان : 68 ] الآية . فهذه في أولئك . وأما التي في سورة النساء وهي قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( 93 ) [ النّساء : 93 ] فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه . ثم قتل . فجزاؤه جهنم » وقال زيد بن ثابت : « لما نزلت التي في الفرقان وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الفرقان : 68 ] عجبنا من لينها . فلبثنا سبعة أشهر . ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة » وأراد بالغليظة : هذه الآية التي في سورة النساء ، وباللينة : آية الفرقان . قال ابن عباس : « آية الفرقان مكية . وآية النساء مدنية . نزلت ولم ينسخها شيء » . قال هؤلاء : ولأن التوبة من قتل المؤمن عمدا متعذرة ، إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله ، أو إعادة نفسه - التي فوّتها عليه - إلى جسده . إذ التوبة من حق الآدمي : لا تصح إلا بأحدهما . وكلاهما متعذر على القاتل . فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه . ولم يستحله منه ؟ ولا يرد عليهم هذا في المال إذا مات ربه ولم يوفّه إياه . لأنه يتمكن من إيصال نظيره إليه بالصدقة . قالوا : ولا يرد علينا أن الشرك أعظم من القتل . وتصح التوبة منه . فإن ذلك محض حق اللّه . فالتوبة منه ممكنة . وأما حق الآدمي : فالتوبة موقوفة على أدائه إليه واستحلاله . وقد تعذر . واحتج الجمهور بقوله تعالى : * قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : 53 ] فهذه في حق التائب . وبقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 و 116 ] فهذه في حق غير التائب . لأنه فرق بين الشرك وما دونه . وعلق المغفرة بالمشيئة . فخصص وعلق ، وفي التي قبلها عمّم وأطلق . واحتجوا بقوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) [ طه : 82 ] فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحا فإن اللّه عزّ وجلّ غفّار له . قالوا : وقد صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم حديث الذي قتل المائة ثم تاب فنفعته توبته . وألحق بالقرية الصالحة التي خرج إليها . وصح عنه صلى اللّه عليه وسلم - من حديث عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه - « بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا . ولا تسرقوا ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم . ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم . ولا تعصوني في معروف . فمن وفّى منكم فأجره على اللّه . ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في