ابن قيم الجوزية

244

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بالمشترى وخرج ثمنه عن ملكه ، فهو بأن يرضى به ويحصّل له الثمن أشد رضى . ونظير هذا : مريض عجز أصحابه - في السفر أو الحضر - عن استئذانه في إخراج شيء من ماله في علاجه ، وخيف عليه . فإنهم يخرجون من ماله ما هو مضطر إليه بدون استئذانه ، بناء على العرف في ذلك . ونظائر ذلك مما مصلحته وحسنه مستقر في فطر الخلق ، ولا تأتي شريعة بتحريمه كثير . وإذا ثبت ذلك ، فمن المعلوم : أن صاحب هذا المال الذي قد حيل بينه وبينه أشد شيء رضي بوصول نفعه الأخروي إليه . وهو أكره شيء لتعطيله أو إبقائه مقطوعا عن الانتفاع به دنيا وأخرى . وإذا وصل إليه ثواب ماله سرّه ذلك أعظم من سروره بوصوله إليه في الدنيا . فكيف يقال : مصلحة تعطيل هذا المال - عن انتفاع الميت والمساكين به ومن هو بيده - أرجح من مصلحة إنفاقه شرعا ؟ بل أي مصلحة دينية أو دنيوية في هذا التعطيل ؟ وهل هو إلا محض المفسدة ؟ ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية - قدس اللّه روحه - سأله شيخ فقال هربت من أستاذي « 1 » وأنا صغير إلى الآن ، لم أطّلع له على خبر ، وأنا مملوك . وقد خفت من اللّه عزّ وجلّ ، وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي ، وقد سألت جماعة من المفتين . فقالوا لي : اذهب فاقعد في المستودع . فضحك شيخنا وقال : تصدق بقيمتك - أعلى ما كانت - عن سيدك ، ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثا في غير مصلحة ، وإضرارا بك ، وتعطيلا عن مصالحك . ولا مصلحة لأستاذك في هذا ، ولا لك ولا للمسلمين . أو نحو هذا من الكلام . واللّه أعلم . المسألة الثانية : إذا عاوض غيره معاوضة محرمة ، وقبض العوض - كالزانية ، والمغنّي ، وبائع الخمر ، وشاهد الزور ونحوهم - ثم تاب والعوض بيده . فقالت طائفة : يرده إلى مالكه . إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح . وقالت طائفة : بل توبته بالتصدق به . ولا يدفعه إلى من أخذه منه . وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية . وهو أصوب القولين . فإن قابضه إنما قبضه ببذل مالكه له ، ورضاه ببذله . وقد استوفى عوضه المحرم . كيف يجمع له بين العوض والمعوض ؟ وكيف يرد عليه مالا قد استعان به على معاصي اللّه ، ورضي بإخراجه فيما يستعين به عليها ثانيا وثالثا ؟ وهل هذا إلا محض إعانته على الإثم والعدوان ؟ وهل يناسب هذا محاسن الشرع : أن يقضى للزاني بكل ما دفعه إلى من زنى بها . ويؤخذ منها ذلك طوعا أو كرها . فيعطاه وقد نال عوضه ؟ وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ ، فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه . وقد سلّم له ما في قبالته من النفع ، فكيف يقال : ملكه باق عليه ، ويجب رده إليه ؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به . فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له بذلك ، وصاحبه قد رضي

--> ( 1 ) يطلق الأستاذ - في ذلك الوقت - على التاجر الكبير . ويطلق على الحاذق في الصنعة ، وعلى المترئس فيها ، وعلى رئيس الخدم .