ابن قيم الجوزية
243
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بين أن يجيزوا ما فعل ، وتكون أجورها لهم ، وبين أن لا يجيزوا ، ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم . ويكون ثواب تلك الصدقة له . إذ لا يبطل اللّه سبحانه ثوابها ، ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض . فيغرمه إياها . ويجعل أجرها لهم ، وقد غرم من حسناته بقدرها . وهذا مذهب جماعة من الصحابة ، كما هو مروي عن ابن مسعود ، ومعاوية وحجاج بن الشاعر . فقد روي أن ابن مسعود « اشترى من رجل جارية ، ودخل يزن له الثمن . فذهب رب الجارية ، فانتظره حتى يئس من عوده . فتصدق بالثمن . وقال : اللهم هذا عن رب الجارية . فإن رضي فالأجر له ، وإن أبى فالأجر لي . وله من حسناتي بقدره » و « غلّ رجل من الغنيمة . ثم تاب . فجاء بما غلّه إلى أمير الجيش . فأبى أن يقبله منه ، وقال : كيف لي بإيصاله إلى الجيش ، وقد تفرقوا ؟ فأتى حجاج بن الشاعر . فقال : يا هذا ، إن اللّه يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم ، فادفع خمسه إلى صاحب الخمس . وتصدق بالباقي عنهم . فإن اللّه يوصل ذلك إليهم - أو كما قال - ففعل . فلما أخبر معاوية قال : لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إليّ من نصف ملكي » . قالوا : وكذلك اللقطة إذا لم يجد ربّها ، بعد تعريفها ، ولم يرد أن يتملكها ، تصدق بها عنه ، فإن ظهر مالكها خيّره بين الأجر والضمان . قالوا : وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم . فإذا جهل المالك صار بمنزلة المعدوم . وهذا مال لم يعلم له مالك معين . ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به ، لما فيه من المفسدة والضرر بمالكه وبالفقراء وبمن هو في يده . أما المالك : فلعدم وصول نفعه إليه ، وكذلك الفقراء . وأما من هو في يده : فلعدم تمكنه من الخلاص من إثمه ، فيغرمه يوم القيامة من غير انتفاع به . ومثل هذا لا تبيحه شريعة . فضلا عن أن تأمر به وتوجبه . فإن الشرائع مبناها على المصالح بحسب الإمكان وتكميلها . وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقليلها وتعطيل هذا المال ووقفه ومنعه عن الانتفاع به : مفسدة محضة ، لا مصلحة فيها ، فلا يصار إليه . قالوا : وقد استقرت قواعد الشرع على أن الإذن العرفي كاللفظي . فمن رأى بمال غيره موتا - وهو مما يمكن استدراكه بذبحه - فذبحه إحسانا إلى مالكه ونصحا له . فهو مأذون له فيه عرفا ، وإن كان المالك سفيها ، فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمنه ، لأنه محسن و ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة : 91 ] وكذلك إذا غصبه ظالم ، أو خاف عليه منه . فصالحه عليه ببعضه ، ليسلم الباقي لمالكه ، وهو غائب عنه ، أو رآه آيلا إلى تلف محض ، فباعه وحفظ ثمنه له ، ونحو ذلك . فإن هذا كله مأذون فيه عرفا من المالك . وقد باع عروة بن الجعد البارقي - وكيل النبي صلى اللّه عليه وسلم - ملك النبي صلى اللّه عليه وسلم بغير إذنه لفظا ، واشترى له ببعض ثمنه مثل ما وكّله في شرائه بذلك الثمن كله . ثم جاءه بالثمن وبالمشترى . فقبله النبي صلى اللّه عليه وسلم . ودعا له . وأشكل هذا على بعض الفقهاء . وبناه على تصرف الفضولي . فأورد عليه أن الفضولي لا يقبض ولا يقبض ، وهذا قبض وأقبض . وبناه آخرون على أنه كان وكيلا مطلقا في كل شيء . وهذا أفسد من الأول . فإنه لا يعرف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه وكّل أحدا وكالة مطلقة البتة . ولا نقل ذلك عنه مسلم . والصواب : أنه مبني على هذه القاعدة أن « الإذن العرفي كالإذن اللفظي » ومن رضي