ابن قيم الجوزية
242
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فإنهم إنما قصدوا طاعة اللّه ورسوله ، وهم أهل الأجر الواحد ، وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطىء الحق . والمقصود : أن إلحاق المفرط العاصي بالتأخير بهؤلاء في غاية الفساد . قالوا : وأما قولكم : « هذا تائب نادم . فكيف تسد عليه طريق التوبة ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه ؟ » فمعاذ اللّه أن نسد عليه بابا فتحه اللّه لعباده المذنبين كلهم ، ولم يغلقه عن أحد إلى حين موته ، أو إلى وقت طلوع الشمس من مغربها . وإنما الشأن في طريق توبته وتحقيقها . هل يتعين لها القضاء أم يستأنف العمل ، ويصير ما مضى لا له ولا عليه . ويكون حكمه حكم الكافر إذا أسلم في استئناف العمل وقبول التوبة ؟ فإن ترك فريضة من فرائض الإسلام ، لا يزيد على ترك الإسلام بجملته وفرائضه . فإذا كانت توبة تارك الإسلام مقبولة صحيحة ، لا يشترط في صحتها إعادة ما فاته في حال إسلامه - أصليا كان أو مرتدا - كما أجمع عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين - لمّا رجعوا إلى الإسلام بالقضاء - فقبول توبة تارك الصلاة وعدم توقفها على القضاء أولى . واللّه أعلم . حقوق العباد وأما في حقوق العباد : فيتصور في مسائل : إحداها : من غصب أموالا ، ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها ، أو إلى ورثتهم ، لجهله بهم ، أو لانقراضهم ، أو لغير ذلك ، فاختلف في توبة مثل هذا . فقالت طائفة : لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها . فإذا كان ذلك قد تعذر عليه ، فقد تعذرت عليه التوبة ، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا . قالوا : فإن هذا حق لآدمي لم يصل إليه . واللّه سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئا . بل يستوفيها لبعضهم من بعض ، ولا يجاوزه ظلم ظالم . فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ، ولو لطمة ، ولو كلمة ، ولو رمية بحجر . قالوا : وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه : أن يكثر من الحسنات ، ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم ، فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها . ومن أنفع ما له : الصبر على ظلم غيره له وأذاه ، وغيبته وقذفه . فلا يستوفي حقه في الدنيا . ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته . فإنه كما يؤخذ منه ما عليه يستوفي أيضا ما له . وقد يتساويان . وقد يزيد أحدهما على الآخر . ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال . فقالت طائفة : يوقف أمرها . ولا يتصرف فيها البتة . وقالت طائفة : يدفعها إلى الإمام أو نائبه . لأنه وكيل أربابها . فيحفظها لهم . ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة . وقالت طائفة أخرى : بل باب التوبة مفتوح لهذا . ولم يغلقه اللّه عنه ، ولا عن مذنب . وتوبته : أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها . فإذا كان يوم استيفاء الحقوق ، كان لهم الخيار ،