ابن قيم الجوزية

233

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الفحشاء والمنكر وأما « الفحشاء والمنكر » فالفحشاء صفة لموصوف قد حذف تجريدا لقصد الصفة . وهي الفعلة الفحشاء ، والخصلة الفحشاء . وهي ما ظهر قبحها لكل أحد . واستفحشه كل ذي عقل سليم . ولهذا فسرت بالزنى واللواط ، وسماهما اللّه « فاحشة » لتناهي قبحهما . وكذلك القبيح من القول يسمى فحشا . وهو ما ظهر قبحه جدا من السّبّ القبيح ، والقذف ونحوه . وأما « المنكر » فصفة لموصوف محذوف أيضا . أي الفعل المنكر . وهو الذي تستنكره العقول والفطر . ونسبته إليها كنسبة الرائحة القبيحة إلى حاسة الشم . والمنظر القبيح إلى العين . والطعم المستكره إلى الذوق . والصوت المستنكر إلى الأذن . فما اشتد إنكار العقول والفطر له فهو فاحشة . كما فحش إنكار الحواس له من هذه المدركات . فالمنكر لها : ما لم تعرفه ولم تألفه . والقبيح المستكره لها : الذي تشتد نفرتها عنه هو الفاحشة . ولذلك قال ابن عباس « الفاحشة الزنى ، والمنكر ما لم يعرف في شريعة ولا سنة » . فتأمل تفريقه بين ما لم يعرف حسنه ولم يؤلف ، وبين ما استقر قبحه في الفطر والعقول . القول على اللّه بلا علم وأما « القول على اللّه بلا علم » فهو أشد هذه المحرمات تحريما . وأعظمها إثما . ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان . ولا تباح بحال . بل لا تكون إلا محرمة . وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير ، الذي يباح في حال دون حال . فإن المحرمات نوعان : محرم لذاته لا يباح بحال ، ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت . قال اللّه تعالى في المحرم لذاته : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال : وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الأعراف : 33 ] ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه . فقال وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً [ الأعراف : 33 ] ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه . فقال وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 33 ] فهذا أعظم المحرمات عند اللّه وأشدها إثما . فإنه يتضمن الكذب على اللّه ، ونسبته إلى ما لا يليق به ، وتغيير دينه وتبديله ، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه ، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه ، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه ، وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه ، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله . فليس في أجناس المحرمات أعظم عند اللّه منه ، ولا أشد إثما . وهو أصل الشرك والكفر . وعليه أسست البدع والضلالات . فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على اللّه بلا علم . ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها . وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض . وحذّروا فتنتهم أشد التحذير . وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش ، والظلم والعدوان . إذ مضرّة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد . وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده . بلا برهان من اللّه . فقال : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ النّحل : 116 ] - الآية . فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه وتعالى ما لم يصف به نفسه ؟ أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه ؟ .