ابن قيم الجوزية
234
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قال بعض السلف : ليحذر أحدكم أن يقول : أحل اللّه كذا . وحرم اللّه كذا . فيقول اللّه : كذبت . لم أحلّ هذا ، ولم أحرّم هذا . يعني التحليل والتحريم بالرأي المجرد ، بلا برهان من اللّه ورسوله . وأصل الشرك والكفر : هو القول على اللّه بلا علم . فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبودا من دون اللّه ، يقرّبه إلى اللّه . ويشفع له عنده . ويقضي حاجته بواسطته ، كما تكون الوسائط عند الملوك . فكل مشرك قائل على اللّه بلا علم . دون العكس . إذ القول على اللّه بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين اللّه . فهو أعم من الشرك . والشرك فرد من أفراده « 1 » . ولهذا كان الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم موجبا لدخول النار ، واتخاذ منزلة منها مبوّءا ، وهو المنزل اللازم الذي لا يفارقه صاحبه . لأنه متضمن للقول على اللّه بلا علم . كصريح الكذب عليه . لأن ما انضاف إلى الرسول فهو مضاف إلى المرسل . والقول على اللّه بلا علم صريح افتراء الكذب عليه وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً * . فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع . وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة ، أو يظنها سنة ، فهو يدعو إليها ، ويحض عليها ؟ فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة . وكثرة اطلاعه عليها ، ودوام البحث عنها والتفتيش عليها . ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدا . فإن السنة - بالذات - تمحق البدعة . ولا تقوم لها . وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة ، وأزالت ظلمة كل ضلالة . إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس . ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ، ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة ، إلا المتابعة ، والهجرة بقلبه كل وقت إلى اللّه ، بالاستعانة والإخلاص ، وصدق اللجإ إلى اللّه . والهجرة إلى رسوله ، بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة . واللّه المستعان .
--> ( 1 ) إن أول خطوة إلى الشرك : هي القول على اللّه بلا علم . وذلك بزعم أن اللّه سبحانه - قد سد باب الفقه في كلامه ورسالة رسله على العامة . وفتحه لطائفة خاصة أو لقلة من الناس : زعموهم رجال الدين المحتكرين له صناعة . وأن فرضا على العامة تقليد هؤلاء بلا علم ولا بصيرة في الدين . فلما زين الشيطان لهم هذا ، وقبلوه ، أثمر اخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، فشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه . وسووهم برب العالمين في حق التشريع لما يصلح الناس ويهديهم في معاشهم ومعادهم إلى التي هي أقوم . وما زالوا يقولون في اللّه وعلى اللّه بلا علم ، حتى اعتقدوا لبعض البشر القداسة الذاتية . وأن فيهم شيئا من خواص الرب وصفاته سبحانه . سماه الشيطان لهم نورا . فأثمر ذلك اتخاذ موتاهم أولياء من دون اللّه ، يقيمون على قبورهم وآثارهم القباب والأصنام والأوثان ، يعبدونهم من دون اللّه بجميع أنواع العبادات التي شرعها لهم أربابهم من الأحبار والرهبان . فهما متلازمان ، والطريق تبدأ من التقليد الأعمى للآباء والشيوخ ، واستحسان الرأي والهوى ، وتمشي حتى تروج البدع ، ثم القول في اللّه وعلى اللّه بغير علم . ثم اتخاذ الموتى آلهة من دونه ، وأبناءه لأنهم نور انبثق منه ، فتعطيهم من القلوب والأعمال ما لا يليق إلا بالقوي العزيز .