ابن قيم الجوزية

232

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

غشاوة فلا تفرق بين مواطن السلامة ومواضع العثور . والقلوب تحت أغطية الغفلات ، راقدة فوق فرش الغرور فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحجّ : 46 ] . ومن أمثلة العدوان : تجاوز ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها . إما بأن يشبع . وإنما أبيح له سد الرمق ، على أحد القولين في مذهب أحمد ، والشافعي ، وأبي حنيفة رحمهم اللّه جميعا . وأباح مالك له الشبع والتزود إذا احتاج إليه . فإذا استغنى عنها وأكلها واقيا لماله ، وبخلا عن شراء المذكى ونحوه ، كان تناولها عدوانا . قال تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 173 ] قال قتادة والحسن : لا يأكلها من غير اضطرار ، ولا يعدو شبعه . وقيل « غير باغ » غير طالبها . وهو يجد غيرها « ولا عاد » أي لا يتعدى ما حد له منها . فيأكل حتى يشبع . ولكن سدّ الرمق . وقال مقاتل : غير مستحل لها ، ولا متزود منها . وقيل : لا يبغي بتجاوز الحد الذي حد له منها . ولا يتعدى بتقصيره عن تناوله حتى يهلك . فيكون قد تعدى حد اللّه بمجاوزته أو التقصير عنه . فهذا آثم . وهذا آثم . وقال مسروق : من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار . وهذا أصح القولين في الآية . وقال ابن عباس وأصحابه والشافعي « غير باغ » على السلطان « ولا عاد » في سفره . فلا يكون سفر معصية . وبنوا على ذلك أن العاصي بسفره لا يترخص . والقول الأول : أصح لعشرة أوجه . ليس هذا موضع ذكرها . إذ الآية لا تعرّض فيها للسفر بنفي ولا إثبات ، ولا للخروج على الإمام . ولا هي مختصة بذلك ولا سيقت له . وهي عامة في حق المقيم والمسافر . والبغي والعدوان فيها يرجعان إلى الأكل المقصود بالنهي ، لا إلى أمر خارج عنه لا تعلق له بالأكل ، ولأن نظير هذا قوله تعالى في الآية الآخرى فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ [ المائدة : 3 ] فهذا هو الباغي العادي . والمتجانف للإثم : المائل إلى القدر الحرام من أكلها . وهذا هو الشرط الذي لا يباح له بدونه . ولأنها إنما أبيحت للضرورة . فتقدرت الإباحة بقدرها . وأعلمهم أن الزيادة عليها بغي وعدوان وإثم . فلا تكون الإباحة للضرورة سببا لحله . واللّه أعلم . و « الإثم » و « العدوان » هما الإثم والبغي المذكوران في سورة الأعراف « 1 » مع أن « البغي » غالب استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم . وعلى هذا فإذا قرن البغي بالعدوان كان « البغي » ظلمهم بمحرم الجنس ، كالسرقة والكذب ، والبهت والابتداء بالأذى . و « العدوان » تعدي الحق في استيفائه إلى أكبر منه . فيكون البغي والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حدود اللّه . فهاهنا أربعة أمور : حق للّه وله حد ، وحق لعباده وله حد . فالبغي والعدوان والظلم تجاوز الحدين إلى ما وراءهما ، أو التقصير عنهما . فلا يصل إليهما .

--> ( 1 ) انظر سورة الأعراف الآية 33 .