ابن قيم الجوزية

22

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تضر . وهذه صفة إله الجهمية ، التي عاب بها الأصنام ، نسبوها إليه ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا . فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجّته لأبيه : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) [ مريم : 42 ] فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر : وأنت إلهك بهذه المثابة ، فكيف تنكر عليّ ؟ لكن كان - مع شركه - أعرف باللّه من الجهمية . وكذلك كفار قريش كانوا - مع شركهم - مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه . وقال تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ [ الأعراف : 148 ] فلو كان إله الخلق سبحانه كذلك لم يكن في هذا إنكار عليهم ، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك . فإن قيل : فاللّه تعالى لا يكلم عباده . قيل : بلى ، قد كلمهم . فمنهم من كلمه اللّه من وراء حجاب ، منه إليه بلا واسطة ، كموسى . ومنهم من كلمه اللّه على لسان رسوله الملكي . وهم الأنبياء . وكلم اللّه سائر الناس على ألسنة رسله . فأنزل عليهم كلامه الذي بلغته رسله عنه . وقالوا لهم : هذا كلام اللّه الذي تكلم به ، وأمرنا بتبليغه إليكم . ومن ههنا قال السلف : من أنكر كون اللّه متكلما فقد أنكر رسالة الرسل كلهم . لأن حقيقتها تبليغ كلامه الذي تكلم به إلى عباده . فإذا انتفى كلامه انتفت الرسالة . وقال تعالى في سورة طه عن السامري : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) [ طه : 88 ، 89 ] ورجع القول : هو التكلم والتكليم . وقال تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) [ النحل : 76 ] فجعل نفي صفة الكلام موجبا لبطلان الإلهية . وهذا أمر معلوم بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية : أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ، ولا مدبرا ، ولا ربّا ، بل هو مذموم ، معيب ناقص ، ليس له الحمد ، لا في الأولى ، ولا في الآخرة . وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، التي لأجلها استحق الحمد . ولهذا سمى السلف كتبهم التي صنفوها في السنة ، وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه ، وكلامه وتكليمه : توحيدا . لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع ، وجحد له . وإنما توحيده : إثبات صفات كماله ، وتنزيهه عن التشبيه والنقائص . فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيدا . وجعلوا إثباتها للّه تشبيها وتجسيما وتركيبا . فسموا الباطل باسم الحق ، ترغيبا فيه ، وزخرفا ينفقونه به . وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه . والناس أكثرهم مع ظاهر السّكّة ، ليس لهم نقد النقاد مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت البتة ، إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص ، تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية ، وإلا فالسلب المحض لا حمد فيه ، ولا مدح ولا كمال . وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه ، وتعبيد كل شيء له . فاتخاذ الولد ينافي ذلك ، كما قال تعالى : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ يونس : 68 ] . وحمد نفسه على عدم الشريك ، المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية ، وتوحده بصفات الكمال