ابن قيم الجوزية
23
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
التي لا يوصف بها غيره ، فيكون شريكا له . فلو عدمها لكان كل موجود أكمل منه . لأن الموجود أكمل من المعدوم . ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا كان متضمنا لثبوت كمال . كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال حياته . وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم ، لتضمن ذلك كمال قيوميته . وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، لكمال علمه وإحاطته . وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا ، لكمال عدله وإحسانه . وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار ، لكمال عظمته ، يرى ولا يدرك ، كما أنه يعلم ولا يحاط به علما . فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال . لأن العدم لا يرى . فليس في كون الشيء لا يرى كمال البتة . وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا ، لعظمته في نفسه ، وتعاليه عن إدراك المخلوق له . وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان ، لكمال علمه . فكل سلب في القرآن حمد اللّه به نفسه فلمضادته لثبوت ضده ، ولتضمنه كمال ثبوت ضده . فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال ، وأن نفيها نفي لحمده ، ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده . فهذه دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصفات وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها ، وهي « اللّه ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والملك » فمبني على أصلين : أحدهما : أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله . فهي مشتقة من الصفات . فهي أسماء ، وهي أوصاف . وبذلك كانت حسنى ، إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى ، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال . ولساغ وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان ، وبالعكس . فيقال : اللهم إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي إنك أنت المنتقم . واللهم أعطني ، فإنك أنت الضار المانع ، ونحو ذلك . ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها . قال تعالى : وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأعراف : 180 ] ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها . لكن اللّه أخبر عن نفسه بمصادرها ، وأثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسوله ، كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) [ الذّاريات : 58 ] فعلم أن « القويّ » من أسمائه ، ومعناه الموصوف بالقوة . وكذلك قوله : فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [ فاطر : 10 ] فالعزيز من له العزة ، فلو لا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويّا ولا عزيزا . وكذلك قوله : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [ النّساء : 166 ] فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [ هود : 14 ] وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [ البقرة : 255 ] . وفي الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » فأثبت المصدر الذي اشتقّ منه اسمه « البصير » . وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها « الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات » . وفي الصحيح حديث الاستخارة « اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك » فهو