ابن قيم الجوزية
218
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأولياءه - الموحدين له ، الذين لم يشركوا به شيئا - بذمهم وعيبهم ومعاداتهم . وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص . إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا . وأنهم أمروهم به . وأنهم يوالونهم عليه . وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان . وما أكثر المستجيبين لهم ! وللّه خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [ إبراهيم : 35 ، 36 ] . وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده للّه . وعادى المشركين في اللّه . وتقرب بمقتهم إلى اللّه . واتخذ اللّه وحده وليه وإلهه ومعبوده . فجرد حبه للّه ، وخوفه للّه ، ورجاءه للّه ، وذله للّه ، وتوكله على اللّه ، واستعانته باللّه ، والتجاءه إلى اللّه ، واستغاثته باللّه ، وأخلص قصده للّه ، متبعا لأمره ، متطلبا لمرضاته . إذا سأل سأل اللّه ، وإذا استعان استعان باللّه ، وإذا عمل عمل للّه ، فهو للّه ، وباللّه ، ومع اللّه . والشرك أنواع كثيرة . لا يحصيها إلا اللّه . ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتّسع الكلام أعظم اتساع ، ولعل اللّه أن يساعد بوضع كتاب فيه ، وفي أقسامه ، وأسبابه ومباديه ، ومضرته ، وما يندفع به . فإن العبد إذا نجا منه ومن التعطيل - وهما الداءان اللذان هلكت بهما الأمم - فما بعدهما أيسر منهما . وإن هلك بهما فبسبيل من هلك . ولا آسى على الهالكين . النفاق وأما النفاق : فالداء العضال الباطن ، الذي يكون الرجل ممتلئا منه ، وهو لا يشعر . فإنه أمر خفي على الناس . وكثيرا ما يخفى على من تلبس به . فيزعم أنه مصلح وهو مفسد . وهو نوعان : أكبر ، وأصغر . فالأكبر : يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل ، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به ، لا يؤمن بأن اللّه تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس ، يهديهم بإذنه ، وينذرهم بأسه ، ويخوفهم عقابه . وقد هتك اللّه سبحانه أستار المنافقين ، وكشف أسرارهم في القرآن ، وجلّى لعباده أمورهم ، ليكونوا منها ومن أهلها على حذر ، وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة : المؤمن ، والكفار ، والمنافقين . فذكر في المؤمنين أربع آيات ، وفي الكفار آيتين ، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية ، لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم ، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله . فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا ، لأنهم منسوبون إليه ، وإلى نصرته وموالاته ، وهم أعداؤه في الحقيقة . يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح ، وهو غاية الجهل والإفساد . فللّه كم من معقل للإسلام قد هدموه ؟ ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه ؟ ! وكم من علم له قد طمسوه ؟ ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه ؟ ! وكم ضربوا بمعاول الشّبه في أصول غراسه ليقلعوها ؟ ! وكم عمّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها ؟ !