ابن قيم الجوزية

215

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله . ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده ، واتباع رسوله . فاللّه تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره ، كما قال تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] وأصح القولين : أنهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة ، كما في الآية الأخرى تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) [ الشّعراء : 97 ، 98 ] وكما في آية البقرة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [ البقرة : 165 ] . وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله ، فإنه يقول : لا نحبهم كحب اللّه ، ولا نسوّيهم باللّه . ثم يغضب لهم ولحرماتهم - إذا انتهكت - أعظم مما يغضب للّه ، ويستبشر بذكرهم ، ويتبشبش به ، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم : من إغاثة اللهفات ، وكشف الكربات ، وقضاء الحاجات ، وأنهم الباب بين اللّه وبين عباده . فإنك ترى المشرك يفرح ويسرّ ويحنّ قلبه ، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة ، وإذا ذكرت له اللّه وحده ، وجرّدت توحيده لحقته وحشة ، وضيق ، وحرج « 1 » ، ورماك بنقص الإلهية التي له ، وربما عاداك . رأينا واللّه منهم هذا عيانا ، ورمونا بعداوتهم . وبغوا لنا الغوائل . واللّه مخزيهم في الدنيا والآخرة . ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا ، كما قال إخوانهم : عاب آلهتنا ، فقال هؤلاء : تنقصتم مشايخنا ، وأبواب حوائجنا إلى اللّه . وهكذا قال النصارى للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما قال لهم : « إن المسيح عبد اللّه » قالوا : تنقصت المسيح وعبته . وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ، ومساجد تقصد ، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن اللّه فيه ورسوله ، قالوا : تنقصت أصحابها . فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم ، حتى كأنهم قد تواصوا به مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] . وقد قطع اللّه تعالى كل الأسباب التي تعلّق بها المشركون جميعا ، قطعا يعلم من تأمله وعرفه : أن من اتخذ من دون اللّه وليا ، أو شفيعا . فهو كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [ العنكبوت : 41 ] فقال تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ سبإ : 22 ، 23 ] .

--> ( 1 ) قال اللّه تعالى : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) [ الزمر : 45 ] والشرك الجديد هو بعينه القديم . ومنشأ هذا جميعه : التكذيب بيوم الدين ، وأنه ليس على ما وصف اللّه العليم الحكيم ، من الجزاء العادل ، ووزن الأعمال بالقسط . وإنما هو - كما زعموا - بالأغراض والشفاعات التي لا يقدر اللّه - بزعمهم - على دفعها . وليست هذه هي الآخرة التي وصفها اللّه ، وحذر عباده مواقفها . والمشركون - قديما وحديثا - يعتقدون أن أولياءهم فيهم شيء من خصائص الرب . ولذلك فهم ينادونهم ، وقد ماتوا ودفنوهم . ويزعمون أنهم أحياء ليست حياة قبور وسؤال فيها . ولكن من جنس حياة الرب - سبحانه - يقدرون بها وفيها على ما لا يقدر عليه البشر الأحياء ، فضلا عن الموتى . فلما جاءت الرسل يقولون لهم : إنهم بشر ماتوا . قالوا لهم : أنتم تسبون آلهتنا وتنتقصونها . وأذكر : أني يوما كنت في مجلس فيه طاغوت من طواغيت عبادة القبور : فهتف : يا سيدي فلان . فهتفت : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، فانتفض كأن حية لدغته . وقام فارا يؤزه الشيطان أزا عنيفا .