ابن قيم الجوزية

216

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع ، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع : إما مالك لما يريده عابده منه . فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك . فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا ، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده . فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا ، متنقلا من الأعلى إلى ما دونه ، فنفى الملك ، والشركة ، والمظاهرة ، والشفاعة ، التي يظنها المشرك . وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك ، وهي الشفاعة بإذنه . فكفى بهذه الآية نورا ، وبرهانا ونجاة ، وتجريدا للتوحيد ، وقطعا لأصول الشرك وموادّه لمن عقلها . والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها . ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته ، وتضمنه له . ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا . وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن . ولعمر اللّه إن كان أولئك قد خلوا ، فقد ورثهم من هو مثلهم ، أو شر منهم ، أو دونهم . وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك . ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة ، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية » . وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك ، وما عابه القرآن وذمه : وقع فيه وأقره ، ودعا إليه وصوّبه وحسنه . وهو لا يعرف : أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية ، أو نظيره . أو شر منه ، أو دونه . فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه . ويعود المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، والبدعة سنة ، والسنة بدعة . ويكفّر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد . ويبدّع بتجريد متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع . ومن له بصيرة وقلب حيّ يرى ذلك عيانا ، واللّه المستعان . الشرك الأصغر وأما الشرك الأصغر : فكيسير الرياء ، والتصنع للخلق ، والحلف بغير اللّه ، كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » « 1 » وقول الرجل للرجل « ما شاء اللّه وشئت » و « هذا من اللّه ومنك » و « أنا باللّه وبك » و « ما لي إلا اللّه وأنت » و « أنا متوكل على اللّه وعليك » و « لولا أنت لم يكن كذا وكذا » وقد يكون هذا شركا أكبر ، بحسب قائله ومقصده . وصح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لرجل قال له « ما شاء اللّه وشئت » : « أجعلتني للّه ندا ؟ قل : ما شاء اللّه وحده » وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ . ومن أنواع الشرك : سجود المريد للشيخ . فإنه شرك من الساجد والمسجود له . والعجب : أنهم يقولون : ليس هذا سجودا ، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا . فيقال لهؤلاء : ولو سميتموه ما سميتموه . فحقيقة السجود : وضع الرأس لمن يسجد له . وكذلك

--> ( 1 ) إنما كان الحلف بغير اللّه شركا عظيما . لأن حقيقة اليمين ومقتضاه : أن الحالف يؤكد صدق خبره بأنه لو كان كاذبا ينتقم منه المحلوف به انتقاما لا يقدر هو - ولا أحد من البشر - أن يدفعه . لأن المحلوف به يقدر أن يوصل انتقامه وبطشه من طريق فوق قدرة البشر وطاقتهم . وهذا لا يكون إلا اللّه القوي المتين ذو البطش الشديد . الفعال لما يريد .