ابن قيم الجوزية

214

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تعالى ، حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ الزّمر : 3 ] ثم شهد عليهم بالكفر والكذب . وأخبر : أنه لا يهديهم فقال إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ [ الزّمر : 3 ] . فهذه حال من اتخذ من دون اللّه وليا ، يزعم أنه يقربه إلى اللّه . وما أعز من يخلص من هذا ؟ بل ما أعز من لا يعادي من أنكره ! والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم : أن آلهتهم تشفع لهم عند اللّه . وهذا عين الشرك . وقد أنكر اللّه عليهم ذلك في كتابه وأبطله . وأخبر أن الشفاعة كلها له ، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن اللّه أن يشفع فيه . ورضي قوله وعمله . وهم أهل التوحيد ، الذين لم يتخذوا من دون اللّه شفعاء . فإنه سبحانه يأذن لمن شاء في الشفاعة لهم ، حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه . فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن اللّه له : صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون اللّه ربه ومولاه . و « الشفاعة » التي أثبتها اللّه ورسوله : هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحّده . والتي نفاها اللّه : هي الشفاعة الشركية ، التي في قلوب المشركين ، المتخذين من دون اللّه شفعاء . فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم . ويفوز بها الموحدون . وتأمل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي هريرة - وقد سأله « من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول اللّه ؟ » - قال : « أسعد الناس بشفاعتي : من قال لا إله إلا اللّه ، خالصا من قلبه » كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته : تجريد التوحيد ، عكس ما عند المشركين : أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء ، وعبادتهم وموالاتهم من دون اللّه . فقلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب ، وأخبر أن سبب الشفاعة : هو تجريد التوحيد . فحينئذ يأذن اللّه للشافع أن يشفع . المشرك ومن جهل المشرك : اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا : أنه يشفع له ، وينفعه عند اللّه . كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم . ولم يعلموا أن اللّه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله . كما قال تعالى في الفصل الأول : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وفي الفصل الثاني وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وبقي فصل ثالث ، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد ، واتباع الرسول . وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين . كما قال أبو العالية « كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟ » . فهذه ثلاثة أصول . تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها : لا شفاعة إلا بإذنه .

--> - لم تكن إلا عبادا أمثالهم ، صالحين ، فاتخذوهم أولياء من دون اللّه . ونصبوا الأنصاب والقباب باسمهم ، وعلى قبورهم وفي الأماكن التي زعموها آثارا لهم . كما جاء ذلك صريحا في كتاب اللّه إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [ الأعراف : 174 ] وما لا يحصى من الآيات . وجاء عن ابن عباس في صحيح البخاري في آلهة قوم نوح .