ابن قيم الجوزية

211

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

في أجناس ما يتاب منه ولا يستحق العبد اسم « التائب » حتى يتخلص منها وهي اثنا عشر جنسا مذكورة في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، هي أجناس المحرمات : الكفر ، والشرك ، والنفاق ، والفسوق ، والعصيان ، والإثم ، والعدوان ، والفحشاء ، والمنكر ، والبغي ، والقول على اللّه بلا علم ، واتباع غير سبيل المؤمنين . فهذه الاثنا عشر جنسا عليها مدار كل ما حرم اللّه ، وإليها انتهاء العالم بأسرهم إلا أتباع الرسل ، صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وقد يكون في الرجل أكثرها وأقلها ، أو واحدة منها ، وقد يعلم ذلك ، وقد لا يعلم . فالتوبة النصوح : هي بالتخلص منها ، والتحصن والتحرز من مواقعتها . وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها . ونحن نذكرها ، ونذكر ما اجتمعت فيه وما افترقت . لتتبين حدودها وحقائقها . واللّه الموفق لما وراء ذلك ، كما وفق له . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب . والعبد أحوج شيء إليه . * * * فأما « الكفر » فنوعان : كفر أكبر ، وكفر أصغر . فالكفر الأكبر : هو الموجب للخلود في النار . والأصغر : موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود . كما في قوله تعالى - وكان مما يتلى فنسخ لفظه - « لا ترغبوا عن آبائكم . فإنه كفر بكم » وقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث « اثنتان في أمتي ، هما بهم كفر : الطعن في النسب ، والنياحة » وقوله في « السنن » « من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد » وفي الحديث الآخر « من أتى كاهنا أو عرّافا ، فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل اللّه على محمد » وقوله « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض » وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] قال ابن عباس : « ليس بكفر ينقل عن الملة ، بل إذا فعله فهو به كفر . وليس كمن كفر باللّه واليوم الآخر » وكذلك قال طاوس . وقال عطاء : « هو كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق » . ومنهم : من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل اللّه جاحدا له . وهو قول عكرمة . وهو تأويل مرجوح . فإن نفس جحوده كفر ، سواء حكم أو لم يحكم . ومنهم : من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل اللّه . قال : ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام . وهذا تأويل عبد العزيز الكناني . وهو أيضا بعيد . إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل . وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه . ومنهم : من تأولها على الحكم بمخالفة النص ، تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل . حكاه البغوي عن العلماء عموما . ومنهم : من تأولها على أهل الكتاب . وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما . وهو بعيد ، وهو خلاف ظاهر اللفظ . فلا يصار إليه .