ابن قيم الجوزية

212

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومنهم : من جعله كفرا ينقل عن الملة . والصحيح : أن الحكم بغير ما أنزل اللّه يتناول الكافرين ، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم . فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل اللّه في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصيانا ، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة . فهذا كفر أصغر . وإن اعتقد أنه غير واجب ، وأنه مخير فيه . مع تيقنه أنه حكم اللّه . فهذا كفر أكبر . وإن جهله وأخطأه : فهذا مخطىء ، له حكم المخطئين . والقصد : أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر . فإنها ضد الشكر ، الذي هو العمل بالطاعة . فالسعي : إما شكر ، وإما كفر ، وإما ثالث . لا من هذا ولا من هذا . واللّه أعلم . الكفر الأكبر وأما الكفر الأكبر ، فخمسة أنواع : كفر تكذيب ، وكفر استكبار وإباء مع التصديق . وكفر إعراض . وكفر شك . وكفر نفاق . فأما كفر التكذيب : فهو اعتقاد كذب الرسل . وهذا القسم قليل في الكفار . فإن اللّه تعالى أيد رسله ، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة . وأزال به المعذرة . قال اللّه تعالى عن فرعون وقومه وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النّمل : 14 ] وقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] . وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح . إذ هو تكذيب باللسان . وأما كفر الإباء والاستكبار : فنحو كفر إبليس . فإنه لم يجحد أمر اللّه ولا قابله بالإنكار . وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار . ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول . وأنه جاء بالحق من عند اللّه ، ولم ينقد له إباء واستكبارا . وهو الغالب على كفر أعداء الرسل ، كما حكى اللّه تعالى عن فرعون وقومه أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [ المؤمنون : 47 ] وقول الأمم لرسلهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ إبراهيم : 10 ] وقوله كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) [ الشّمس : 11 ] وهو كفر اليهود كما قال تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] وقال يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [ البقرة : 146 ] وهو كفر أبي طالب أيضا . فإنه صدّقه ولم يشك في صدقه . ولكن أخذته الحمية ، وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ، ويشهد عليهم بالكفر . وأما كفر الإعراض : فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ، لا يصدقه ولا يكذبه . ولا يواليه ولا يعاديه . ولا يصغي إلى ما جاء به البتة ، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي صلى اللّه عليه وسلم « واللّه أقول لك كلمة . إن كنت صادقا ، فأنت أجلّ في عيني من أن أرد عليك . وإن كنت كاذبا ، فأنت أحقر من أن أكلمك » « 1 » . وأما كفر الشك : فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه ، بل يشك في أمره . وهذا لا يستمر شكّه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم جملة . فلا يسمعها ولا يلتفت إليها . وأما مع التفاته إليها ، ونظره فيها : فإنه لا يبقى معه شك . لأنها مستلزمة للصدق . ولا

--> ( 1 ) وهو كفر الملحدين اليوم من المتسمين بأسماء إسلامية ، المقلدين للأفرنج من اليهود والنصارى المنحلين عن كل خلق وفضيلة ، زاعمين بجاهليتهم وسفههم : أن هذا هو سبيل الرقي والمدنية .