ابن قيم الجوزية

210

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

العذاب في الدنيا والآخرة . وقال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) [ الحاقّة : 44 - 46 ] أي لو أتى بشيء من عند نفسه لأخذنا منه بيمينه ، وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه ، وقد أعاذه اللّه من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه ، ومن التقول عليه سبحانه ، وكم من راكن إلى أعدائه ومتقول عليه من قبل نفسه قد أمهله ولم يعبأ به . كأرباب البدع كلهم ، المتقولين على أسمائه وصفاته ودينه . وما ذكرتم في قصة يونس عليه السّلام : هو من هذا الباب ، فإنه لم يسامح بغضبة ، وسجن لأجلها في بطن الحوت ، ويكفي حال أبي البشر حيث لم يسامح بلقمة ، وكانت سبب إخراجه من الجنة . فالجواب : أن هذا أيضا حق ، ولا تنافي بين الأمرين ، فإن من كملت عليه نعمة اللّه . واختصه منها بما لم يختص به غيره : في إعطائه منها ما حرمه غيره . فحبي بالإنعام ، وخصّ بالإكرام . وخصّ بمزيد التقريب . وجعل في منزلة الولي الحبيب ، اقتضت حاله من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص : بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع ، فلشدة الاعتناء به ، ومزيد تقريبه ، واتخاذه لنفسه ، واصطفائه على غيره ، تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم . ونعمه عليه أكمل ، والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره . فهو إذا غفل وأخلّ بمقتضى مرتبته نبّه بما لم ينبه عليه البعيد البراني ، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضا . فيجتمع في حقه الأمران . وإذا أردت معرفة اجتماعهما . وعدم تناقضهما ، فالواقع شاهد به ، فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم ، ويأخذهم ، ويؤدبهم بما لم يأخذ به غيرهم « 1 » ، وقد ذكرنا شواهد هذا وهذا . ولا تناقض بين الأمرين . وأنت إذا كان لك عبدان ، أو ولدان ، أو زوجتان . أحدهما : أحب إليك من الآخر ، وأقرب إلى قلبك ، وأعز عليك : عاملته بهذين الأمرين . واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك ، وحبك له ، وعزته عليك . فإذا نظرت إلى كمال إحسانك إليه ، وإتمام نعمتك عليه : اقتضت معاملته بما لا تعامل به من دونه ، من التنبيه وعدم الإهمال . وإذا نظرت إلى إحسانه ومحبته لك ، وطاعته وخدمته ، وكمال عبوديته ونصحه : وهبت له وسامحته ، وعفوت عنه ، بما لا تفعله مع غيره . فالمعاملتان بحسب ما منك وما منه . وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع ، حيث جعل حدّ من أنعم عليه بالتزوج إذا تعداه إلى الزنى : الرجم ، وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد ، وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملّكه نفسه ، وأتم عليه نعمته ، ولم يجعله مملوكا لغيره . وجعل حد العبد المنقوص بالرق ، الذي لم يحصل له هذه النعمة : نصف ذلك . فسبحان من بهرت حكمته في خلقه وأمره وجزائه عقول العالمين ، وشهدت بأنه أحكم الحاكمين : للّه سرّ تحت كل لطيفة * فأخو البصائر غائص يتملّق

--> ( 1 ) أين ملوك الخلق وأهواؤهم وجهالتهم من اللّه رب الخلق العليم الحكيم الرحمن الرحيم ؟ سبحانه وتعالى .