ابن قيم الجوزية

207

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وانظر إلى يونس بن متّى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى ، غاضب ربه مرة . فأخذه وسجنه في بطن الحوت . ولم يحتمل له ما احتمل لموسى . وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد ، ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له ، وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع . كما قيل : وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف شفيع فالأعمال تشفع لصاحبها عند اللّه . وتذكّر به إذا وقع في الشدائد . قال تعالى عن ذي النون : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) [ الصّافات : 143 ، 144 ] . وفرعون لما لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [ يونس : 90 ] قال له جبريل : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : 91 ] . وفي « المسند » عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن ما تذكرون من جلال اللّه - من التسبيح ، والتكبير ، والتحميد - يتعاطفن حول العرش ، لهن دويّ كدويّ النحل . يذكّرن بصاحبهن . أفلا يحب أحدكم أن يكون له من يذكر به ؟ » ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح ولم يعذب ، ووهبت له سيئاته لأجل حسناته . ولأجل هذا يغفر لصاحب التوحيد ما لا يغفر لصاحب الإشراك ، لأنه قد قام به مما يحبه اللّه ما اقتضى أن يغفر له ، ويسامحه ما لا يسامح به المشرك . وكلما كان توحيد العبد أعظم ، كانت مغفرة اللّه له أتم ، فمن لقيه لا يشرك به شيئا البتة غفر له ذنوبه كلها ، كائنة ما كانت . ولم يعذب بها . ولسنا نقول : إنه لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد ، بل كثير منهم يدخل بذنوبه ، ويعذب على مقدار جرمه ، ثم يخرج منها . ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علما بما قدمناه . ونزيد هاهنا إيضاحا لعظم هذا المقام من شدة الحاجة إليه . اعلم أن أشعة « لا إله إلا اللّه » تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه ، فلها نور ، وتفاوت أهلها في ذلك النور - قوة ، وضعفا - لا يحصيه إلا اللّه تعالى . فمن الناس : من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس . ومنهم : من نورها في قلبه كالكوكب الدري . ومنهم : من نورها في قلبه كالمشعل العظيم . وآخر : كالسراج المضيء . وآخر كالسراج الضعيف . ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم ، وبين أيديهم ، على هذا المقدار ، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة ، علما وعملا ، ومعرفة وحالا . وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد : أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته . حتى أنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ، ولا ذنبا ، إلا أحرقه . وهذا حال الصادق في توحيده ، الذي لم يشرك باللّه شيئا ، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها . فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته ، فلا ينال منها السارق إلا على غرّة وغفلة لا بد منها للبشر . فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه ، أو حصّل