ابن قيم الجوزية
208
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أضعافه بكسبه ، فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن والإنس . ليس كمن فتح لهم خزانته ، وولّى الباب ظهره . وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا اللّه ، وأن اللّه رب كل شيء ومليكه . كما كان عبّاد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون ، بل التوحيد يتضمن - من محبة اللّه ، والخضوع له ، والذل له ، وكمال الانقياد لطاعته ، وإخلاص العبادة له ، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال ، والمنع ، والعطاء ، والحب ، والبغض - : ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي ، والإصرار عليها . ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه حرم على النار من قال : لا إله إلا اللّه ، يبتغي بذلك وجه اللّه » وقوله : « لا يدخل النار من قال : لا إله إلا اللّه » وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس ، حتى ظنها بعضهم منسوخة . وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي ، واستقرار الشرع ، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار ، وأوّل بعضهم الدخول بالخلود . وقال : المعنى لا يدخلها خالدا . ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة . والشارع - صلوات اللّه وسلامه عليه - لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط ، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام . فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم . وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار ، فلا بد من قول القلب ، وقول اللسان . وقول القلب : يتضمن من معرفتها ، والتصديق بها ، ومعرفة حقيقة ما تضمنته - من النفي والإثبات ، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير اللّه ، والمختصة به ، التي يستحيل ثبوتها لغيره ، وقيام هذا المعنى بالقلب : علما ومعرفة ويقينا ، وحالا « 1 » - : ما يوجب تحريم قائلها على النار . وكل قول رتّب الشارع ما رتب عليه من الثواب ، فإنما هو القول التام . كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال في يوم : سبحان اللّه وبحمده مائة مرة ، حطّت عنه خطاياه - أو غفرت ذنوبه - ولو كانت مثل زبد البحر » وليس هذا مرتبا على مجرد قول اللسان . نعم من قالها بلسانه ، غافلا عن معناها ، معرضا عن تدبرها ، ولم يواطئ قلبه لسانه . ولا عرف قدرها وحقيقتها . راجيا مع ذلك ثوابها حطّت من خطاياه بحسب ما في قلبه « 2 » . فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب ، فتكون صورة العملين واحدة ، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض ، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا ، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض .
--> ( 1 ) ومعرفة ما يناقضها ويهدمها ، من تعظيم ما اتخذه المشركون من خرافات ووثنيات ، والاعتذار لهم عن ذلك وعما اتخذوا من آلهة ومعبودات ومقدسات ، وطاعة أحبار ورهبان في معصية اللّه . فإن عمر رضي اللّه عنه قال : « إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية » فإنما وقع من وقع في مناقضة التوحيد وهدمه بالأقوال والأعمال من التقليد الأعمى . وأنه يسير في دينه على غير هدى ولا بصيرة . ( 2 ) وهل جاء الشرك والكفر إلا من هذه الغفلة ، والإعراض عن تدبرها ، وعدم الحذر من كل ما يناقضها ويهدمها . وهل كان ويكون دين الجاهلية الباطل إلا من هذه الغفلة والإعراض ، ثم يزداد غفلة بالغرور والأماني الكاذبة برجاء الثواب .