ابن قيم الجوزية
206
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بأنه لا خالق إلا اللّه . ولو أنجى هذا التوحيد وحده ، لأنجى عبّاد الأصنام . والشأن في توحيد الإلهية ، الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين « 1 » . والمقصود : أن من لم يشرك باللّه شيئا يستحيل أن يلقى اللّه بقراب الأرض خطايا ، مصرّا عليها ، غير تائب منها ، مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب والخضوع ، والذل والخوف والرجاء للرب تعالى . وأما حديث الدواوين : فإنما فيه أن حق الرب تعالى لا يؤوده أن يهبه ويسقطه . ولا يحتفل به ويعتني به كحقوق عباده ، وليس معناه : أنه لا يؤاخذ به البتة ، أو أنه كله صغائر ، وإنما معناه : أنه يقع فيه من المسامحة والمساهلة والإسقاط والهبة ، ما لا يقع مثله في حقوق الآدميين . فظهر أنه لا حجة لهم في شيء مما احتجوا به . واللّه أعلم . وقالت فرقة : الصغائر ما دون الحدّين ، والكبائر : ما تعلق بها أحد الحدّين . ومرادهم بالحدّين : عقوبة الدنيا والآخرة . فكل ذنب عليه عقوبة مشروعة محدودة في الدنيا ، كالزنى وشرب الخمر ، والسرقة والقذف ، أو عليه وعيد في الآخرة ، كأكل مال اليتيم ، والشرب في آنية الفضة والذهب ، وقتل الإنسان نفسه ، وخيانته أمانته ، ونحو ذلك ، فهو من الكبائر . وصدق ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله « هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع » . آراء في الكبيرة وهاهنا أمر ينبغي التفطن له ، وهو أن « الكبيرة » قد يقترن بها - من الحياء والخوف ، والاستعظام لها - ما يلحقها بالصغائر . وقد يقترن بالصغيرة - من قلة الحياء ، وعدم المبالاة ، وترك الخوف ، والاستهانة بها - ما يلحقها بالكبائر . بل يجعلها في أعلى رتبها . وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب ، وهو قدر زائد على مجرد الفعل ، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره . وأيضا فإنه يعفى للمحب ، ولصاحب الإحسان العظيم ، ما لا يعفى لغيره ، ويسامح بما لا يسامح به غيره . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : انظر إلى موسى - صلوات اللّه وسلامه عليه - رمى الألواح التي فيها كلام اللّه الذي كتبه بيده فكسرها ، وجرّ بلحية نبيّ مثله ، وهو هارون ، ولطم عين ملك الموت ففقأها ، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد صلى اللّه عليه وسلم ورفعه عليه ، وربّه تعالى يحتمل له ذلك كله ، ويحبه ويكرمه ويدلّله « 2 » ، لأنه قام للّه تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدوّ له ، وصدع بأمره ، وعالج أمّتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة . فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر .
--> ( 1 ) للّه در الإمام ابن القيم من محقق ، خبير بطب القلوب وأدوائها ، ومن فقيه بصير بحقيقة دين اللّه وما شرع لخير الإنسانية . ( 2 ) هذه كلمة سبق بها اللسان والقلم ، ولكل جواد كبوة . وكان الأولى « يتجاوز » أو نحوها . وهذا عجيب ممن لقي أشد ألوان الأذى في الدفاع عن أسماء اللّه .