ابن قيم الجوزية

200

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بلمم ، وهو ذنب . وقد روى عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن تغفر اللهم تغفر جمّا * وأيّ عبد لك لا ألمّا » وذهبت طائفة ثالثة إلى أن « اللمم » ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم . فاللّه لا يؤاخذهم به . وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : « أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا . فأنزل اللّه هذه الآية » وهذا قول زيد بن ثابت ، وزيد بن أسلم . والصحيح : قول الجمهور : إن اللمم صغائر الذنوب ، كالنظرة ، والغمزة ، والقبلة ، ونحو ذلك . هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم . وهو قول أبي هريرة ، وعبد اللّه بن مسعود ، وابن عباس ، ومسروق ، والشعبي . ولا ينافي هذا قول أبي هريرة ، وابن عباس في الرواية الأخرى : « إنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها » فإن « اللمم » إما أنه يتناول هذا وهذا ، ويكون على وجهين . كما قال الكلبي ، أو أن أبا هريرة ، وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة - ولم يصر عليها ، بل حصلت منه فلتة في عمره - باللمم . ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة . وهذا من فقه الصحابة رضي اللّه عنهم وغور علومهم . ولا ريب أن اللّه يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث . وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته ، وتكرر منه مرارا كثيرة . وفي ذلك آثار سلفية ، والاعتبار بالواقع يدل على هذا . ويذكر عن علي رضي اللّه عنه : أنه « دفع إليه سارق . فأمر بقطع يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، واللّه ما سرقت غير هذه المرة . فقال : كذبت . فلما قطعت يده قال : اصدقني ، كم لك بهذه المرة ؟ فقال : كذا وكذا مرة ؟ فقال : صدقت ، إن اللّه لا يؤاخذ بأول ذنب » أو كما قال . فأول ذنب إن لم يكن هو اللمم . فهو من جنسه ونظيره . فالقولان عن أبي هريرة ، وابن عباس ، متفقان غير مختلفين واللّه أعلم . وهذه اللفظة فيها معنى المقاربة والإعتاب بالفعل حينا بعد حين . فإنه يقال : ألمّ بكذا . إذا قاربه ولم يغشه ، ومن هذا سميت القبلة والغمزة لمما ، لأنها تلمّ بما بعدها . ويقال : فلان لا يزورنا إلا لماما . أي حينا بعد حين . فمعنى اللفظة ثابت في الوجهين اللذين فسر الصحابة بهما الآية . وليس معنى الآية الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [ النّجم : 32 ] فإنهم لا يجتنبونه فإن هذا يكون ثناء عليهم بترك اجتناب اللمم ، وهذا محال . وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه . فإن سياق الكلام في تقسيم الناس إلى محسن ومسيء ، وأن اللّه يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه . ثم ذكر المحسنين ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش . ومضمون هذا : أنه لا يكون محسنا مجزيا بإحسانه ، ناجيا من عذاب اللّه ، إلا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش . فحسن حينئذ استثناء اللمم . وإن لم يدخل في الكبائر . فإنه داخل في جنس الإثم والفواحش . وضابط الانقطاع : أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه ، وإن لم يدخل في نفسه . ولم يتناوله لفظه . كقوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً [ مريم : 62 ] فإن « السلام » داخل في الكلام الذي هو جنس اللغو والسلام . وكذلك قوله لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 ) [ النّبإ : 24 ، 25 ] فإن الحميم والغساق داخل في جنس الذوق المنقسم . فكأنه قيل في الأول : لا يسمعون فيها شيئا إلا سلاما . وفي الثاني : لا يذوقون فيها شيئا إلا حميما وغساقا . ونص على فرد من أفراد الجنس تصريحا ، ليكون نفيه بطريق التصريح والتنصيص ، لا بطريق