ابن قيم الجوزية
201
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
العموم الذي يتطرق إليه تخصيص هذا الفرد . وكذلك قوله تعالى : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [ النّساء : 157 ] فإن الظن داخل في الشعور الذي هو جنس العلم والظن . وأدق من هذا : دخول الانقطاع فيما يفهمه الكلام بلازمه ، كقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النّساء : 22 ] إذ مفهوم هذا : أن نكاح منكوحات الآباء سبب للعقوبة إلا ما قد سلف منه قبل التحريم ، فإنه عفو . وكذلك وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النّساء : 23 ] وإن كان المراد به : ما كان في شرع من تقدم فهو استثناء من القبح المفهوم من ذلك التحريم والذم لمن فعله ، فحسن أن يقال « إلا ما قد سلف » . فتأمل هذا فإنه من فقه العربية . وأما قوله لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدّخان : 56 ] فهذا الاستثناء هو لتحقيق دوام الحياة وعدم ذوق الموت . وهو يجعل النفي الأول العام بمنزلة النص الذي لا يتطرق إليه استثناء البتة . إذ لو تطرق إليه استثناء فرد من أفراده لكان أولى بذكره من العدول عنه إلى الاستثناء المنقطع . فجرى هذا الاستثناء مجرى التأكيد ، والتنصيص على حفظ العموم . وهذا جار في كل منقطع . فتأمله فإنه من أسرار العربية . فقوله « وما بالربع من أحد الأواري » يفهم منه لو وجدت فيها أحدا لاستثنيته ولم أعدل إلى الأواري التي ليست بأحد . وقريب من هذا لفظة « أو » في قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] وقوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) [ الصّافات : 147 ] هو كالتنصيص على أن المراد بالأول الحقيقة لا المبالغة . فإنها إن لم تزد قسوتها على الحجارة فهي كالحجارة في القسوة لا دونها . وأنه إن لم يزد عددهم على مائة ألف لم ينقص عنها . فذكر « أو » هاهنا كالتنصيص على حفظ المائة الألف ، وأنها ليست مما أريد بها المبالغة . واللّه أعلم . آراء السلف في الكبائر وأما الكبائر : فاختلف السلف فيها اختلافا لا يرجع إلى تباين وتضاد ، وأقوالهم متقاربة . وفي « الصحيحين » من حديث الشعبي عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الكبائر : الإشراك باللّه ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس » . وفيهما عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ - ثلاثا - قالوا : بلى ، يا رسول اللّه . قال : الإشراك باللّه ، وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا - فقال : ألا وقول الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت » . وفي الصحيح من حديث أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد اللّه بن مسعود قال : قلت « يا رسول اللّه ، أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك . قال قلت : ثم أيّ ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك . قال قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني بحليلة جارك . فأنزل اللّه تعالى تصديق قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [ الفرقان : 68 ] .