ابن قيم الجوزية

188

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يقدّر ، كما مثّله النبي صلى اللّه عليه وسلم بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدّوّيّة المهلكة ، بعد ما فقدها ، وأيس من أسباب الحياة . ولم يجئ هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة . ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرا عظيما في حال التائب وقلبه ، ومزيده لا يعبر عنه . وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد . فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية . فيصير حبيبا للّه . فإن اللّه يحب التوابين ويحب العبد المفتن التواب . ويوضحه : الوجه الثالث : أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار ، والخضوع ، والتملق للّه ، والتذلل له ، ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة . وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة . فإن الذل والانكسار روح العبودية ، ومخّها ولبّها . يوضحه : الوجه الرابع : أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكمل منها لغيره . فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر ، والعبودية ، والمحبة . وامتاز عنه بانكسار قلبه بالمعصية . واللّه سبحانه أقرب ما يكون إلى عبده عند ذله ، وانكسار قلبه . كما في الأثر الإسرائيلي « يا رب أين أجدك ؟ قال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » ولأجل هذا كان « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه . وتأمل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم . فيما يروي عن ربه عزّ وجلّ « أنه يقول يوم القيامة : يا ابن آدم ، استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب ، كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي . ابن آدم ، استسقيتك فلم تسقني . قال : يا رب ، كيف أسقيك ، وأنت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي . ابن آدم ، مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ، كيف أعودك ، وأنت رب العالمين ؟ قال : أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما لو عدته لوجدتني عنده » فقال في عيادة المريض « لوجدتني عنده » وقال في الإطعام ، والإسقاء « لوجدت ذلك عندي » ففرق بينهما . فإن المريض مكسور القلب ، ولو كان من كان ، فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان اللّه عنده . وهذا - واللّه أعلم - هو السر في استجابة دعوة الثلاثة : المظلوم ، والمسافر ، والصائم ، للكسرة التي في قلب كل واحد منهم . فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه . وكذلك الصوم ، فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ، ويذلها . والقصد : أن شمعة الجبر والفضل والعطايا ، إنما تنزل في شمعدان الانكسار . وللعاصي التائب من ذلك أوفر نصيب . يوضحه : الوجه الخامس : أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة ، من كثير من الطاعات . وهذا معنى قول بعض السلف « قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة . ويعمل الطاعة فيدخل بها النار ، قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه ، إن قام ، وإن قعد ، وإن مشى : ذكر ذنبه . فيحدث له انكسارا ، وتوبة ، واستغفارا ، وندما ، فيكون ذلك سبب نجاته ، ويعمل الحسنة . فلا تزال نصب عينيه . إن قام وإن قعد وإن مشى ، كلما ذكرها أورثته