ابن قيم الجوزية

189

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

عجبا وكبرا ومنّة . فتكون سبب هلاكه . فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ، ومعاملات قلبية ، من خوف اللّه والحياء منه ، والإطراق بين يديه منكسا رأسه خجلا ، باكيا نادما ، مستقيلا ربه . وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة ، وكبرا ، وازدراء بالناس ، ورؤيتهم بعين الاحتقار . ولا ريب أن هذا الذنب خير عند اللّه ، وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته ، الصائل بها ، المانّ بها ، وبحاله على اللّه عزّ وجلّ وعباده . وإن قال بلسانه خلاف ذلك . فاللّه شهيد على ما في قلبه . ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه . ويخضعوا له . ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك . ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامنا . ولهذا تراه عاتبا على من لم يعظمه ويعرف له حقه . متطلبا لعيبه في قالب حمية للّه ، وغضب له ، وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ، ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا ، فتح له باب المعاذير والرجاء . وأغمض عنه عينه وسمعه . وكفّ لسانه وقلبه ، وقال : باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود . وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه . فإذا أراد اللّه بهذا العبد خيرا ألقاه في ذنب يكسره به . ويعرفه قدره . ويكفي به عباده شره . وينكس به رأسه ، ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده . فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة . ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال . كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من الجنة بذنبه : يا آدم ، لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك . فقد استخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به . وألبست بها حلة العبودية : لعل عتبك محمود عواقبه * وربما صحت الأجسام بالعلل يا آدم ، إنما ابتليتك بالذنب لأني أحب أن أظهر فضلي ، وجودي وكرمي ، على من عصاني « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم » . يا آدم ، كنت تدخل عليّ دخول الملوك على الملوك . واليوم تدخل عليّ دخول العبيد على الملوك . يا آدم ، إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب ، فعلى من أجود بحلمي ؟ وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي ، وتوبتي ، وأنا التواب الرحيم ؟ . يا آدم ، لا تجزع من قولي لك ( اخرج منها ) فلك خلقتها ، ولكن اهبط إلى دار المجاهدة . وابذر بذر التقوى . وأمطر عليه سحائب الجفون . فإذا اشتد الحبّ واستغلظ ، واستوى على سوقه ، فتعال فاحصده . يا آدم ، ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إليّ في الصعود ، وما أخرجتك منها نفيا لك عنها ، ما أخرجتك منها إلا لتعود : إن جرى بيننا وبينك عتب * وتناءت منا ومنك الديار فالوداد الذي عهدت مقيم * والعثار الذي أصبت جيار يا آدم ، ذنب تذل به لدينا ، أحب إلينا من طاعة تدلّ بها علينا . يا آدم ، أنين المذنبين ، أحب إلينا من تسبيح المدلّين .